ثمة لحظات في تحليل أسواق المستهلك يصعب فيها الفصل بين ما هو هيكلي وما هو دوري، وما نشهده في قطاع الاستهلاك الخليجي خلال عام 2025 هو بالضبط تلك اللحظة التي تتداخل فيها الطبقتان بشكل يستدعي التأمل قبل الحكم. ليس لأن البيانات غامضة، بل لأن القارئ السريع قد يخطئ في تفسير ما يراه.

💡 رؤية

أما جرير للتجزئة، وهي نموذج مختلف تماماً في طيف أسهم المستهلكين في تداول، فتُقدم درساً مثيراً في كيفية تحوّل شركة تجزئة تقليدية إلى نموذج هجين يجمع بين الحضور الفيزيائي والرقمي.

لنبدأ من حيث ينبغي أن نبدأ دائماً: الدورة الطويلة. منذ إدخال ضريبة القيمة المضافة في المملكة العربية السعودية عام 2018 ورفعها إلى خمسة عشر بالمئة عام 2020، وعبر موجة إصلاحات دعم الطاقة والمياه التي أعادت تشكيل ميزانية الأسرة السعودية بشكل صامت لكن عميق، انتقل المستهلك الخليجي من مرحلة الوفرة المدعومة إلى مرحلة الاختيار الواعي. هذا التحول لم يكن مؤلماً بالقدر الذي توقعه بعض المحللين، لكنه أعاد ترتيب الأولويات الإنفاقية بطريقة لا تزال تتكشف أمامنا حتى اليوم.

في هذا السياق، يكتسب النقاش حول عائد توزيعات أرباح المراعي 2025 أهمية تتجاوز الرقم المعلن بحد ذاته. المراعي ليست مجرد شركة ألبان ومشروبات، بل هي مرآة لقدرة المستهلك الخليجي على الإنفاق على السلع الأساسية في بيئة تضخمية معتدلة، وعلى رغبة الشركات الكبرى في مشاركة المساهمين ثمار الاستقرار التشغيلي. الشركة التي نجحت في توسيع حضورها خارج المملكة وبناء محفظة منتجات متنوعة باتت اليوم تمثل نموذجاً لما يمكن أن يعنيه الاستقرار في قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية عندما تُحسن الإدارة قراءة التحولات الديموغرافية والسلوكية في آنٍ واحد.

لكن الصورة لا تكتمل بالنظر إلى شركة واحدة. أسهم المستهلكين في تداول تُظهر تبايناً لافتاً في موسم أرباح 2025، وهذا التباين هو بالضبط ما ينبغي أن يُقرأ بعناية. الشركات التي استثمرت مبكراً في سلاسل التوريد المحلية وخفضت اعتمادها على الاستيراد تجد نفسها اليوم في موقع أفضل من منافسيها الذين تأخروا في هذا التحول. ضغوط الدولار وتكاليف الشحن العالمية التي أثقلت هوامش كثير من شركات التجزئة في 2022 و2023 تراجعت نسبياً، لكنها لم تختفِ، وشركات التجزئة الكبرى التي تعتمد على استيراد السلع الاستهلاكية لا تزال تعيش تحت ضغط هامشي لا يظهر دائماً في الأرقام الإجمالية.

هنا يأتي دور الطرح العام الأولي لـ لولو للتجزئة في الإمارات بوصفه حدثاً يستحق قراءة أعمق من مجرد تقييم الإصدار. لولو ليست شركة تجزئة عادية في المنطقة، بل هي نموذج يختبر قدرة السوق الخليجية على استيعاب شركات تجزئة كبرى ذات هوامش ضيقة وحجم تشغيلي ضخم. الاكتتاب الذي استقطب اهتماماً واسعاً يعكس شهية المستثمرين للتعرض لقطاع الاستهلاك الخليجي بشكل مباشر، لكن التحدي الحقيقي سيكون في قدرة الشركة على الحفاظ على هوامشها في بيئة يتنامى فيها الضغط التنافسي من منصات التجارة الإلكترونية من جهة، ومن متاجر التجزئة المتخصصة التي تستهدف شرائح الدخل العليا من جهة أخرى.

التجارة الإلكترونية في الخليج لا تزال في طور النضج، لكن وتيرة نموها في المملكة العربية السعودية والإمارات تُشير إلى أن نماذج التجزئة التقليدية ستواجه ضغطاً متصاعداً على المدى المتوسط. الشريحة الديموغرافية الشابة التي تُشكّل الغالبية العظمى من المستهلكين الخليجيين تتصرف بطريقة مختلفة جوهرياً عن الأجيال السابقة: تبحث عبر الإنترنت، تقارن الأسعار، تتأثر بالمحتوى الرقمي، وتُعطي الأولوية للتجربة على حساب الولاء للعلامة التجارية التقليدية. هذا ليس حكماً قيمياً، بل وصف لواقع تشغيلي يُعيد رسم خريطة المنافسة في قطاع التجزئة.

في هذا السياق، تُمثّل رؤية 2030 السعودية أكثر من مجرد إطار سياسي. برامج الترفيه الوطنية وتوسيع قطاع الضيافة وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل أنتجت معاً تحولاً في بنية الإنفاق التقديري لا يمكن فهمه بمعزل عن بعضه. الأسرة السعودية التي كانت تُنفق نسبة أعلى من دخلها على السفر الخارجي والترفيه خارج المملكة باتت اليوم تجد بدائل محلية لم تكن موجودة قبل خمس سنوات. هذا يعني أن جزءاً من الإنفاق التقديري الذي كان يتسرب خارج الاقتصاد المحلي يعود اليوم إلى داخله، وهو ما يُفسر جزئياً الأداء الإيجابي لشركات الترفيه والمطاعم والضيافة في تداول خلال الأرباع الأخيرة.

أما جرير للتجزئة، وهي نموذج مختلف تماماً في طيف أسهم المستهلكين في تداول، فتُقدم درساً مثيراً في كيفية تحوّل شركة تجزئة تقليدية إلى نموذج هجين يجمع بين الحضور الفيزيائي والرقمي. توزيعات أرباح جرير المنتظمة تعكس نموذجاً تشغيلياً ناضجاً، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بقدرتها على الحفاظ على حصتها السوقية في فئات الإلكترونيات والكتب والقرطاسية في مواجهة التوسع المتسارع لمنصات التجارة الإلكترونية العالمية والإقليمية التي تُقدم تجربة شراء أكثر سلاسة وأسعاراً أكثر تنافسية في بعض الفئات.

ما يجمع كل هذه الخيوط هو سؤال واحد يستحق أن يُطرح بصدق: هل نحن في لحظة تحول هيكلي حقيقي في قطاع الاستهلاك الخليجي، أم أن موجة الأرباح الإيجابية التي نشهدها في 2025 هي في جزء منها انعكاس لعوامل دورية مؤقتة كتراجع أسعار المواد الخام وتحسن سلاسل التوريد واستقرار أسعار الطاقة؟ الإجابة الصادقة هي أن الاثنين موجودان في آنٍ واحد، وأن مهمة المحلل الحقيقية هي الفصل بينهما بدقة بدلاً من الانجراف نحو السردية الأكثر إثارة. الدورة الطويلة تُشير إلى تحول هيكلي حقيقي في سلوك المستهلك الخليجي، لكن الأرقام الفصلية تحتاج دائماً إلى أن تُقرأ بتحفظ مناسب قبل أن تُبنى عليها استنتاجات كبرى.