قطاع المواد الخليجي في مفترق الطرق: حين تتحدث الأرقام قبل الروايات
إشعار
هذا المقال يعبّر عن آراء المحلل. لأغراض معرفية فحسب. لا تُعدّ هذه المعلومات نصيحةً استثماريةً أو توصيةً أو دعوةً للاكتتاب. يُنصح باستشارة مستشارٍ ماليٍّ مرخّصٍ قبل اتخاذ أيّ قرارٍ استثماري.
حين تُعلن شركة معادن عن نتائجها الفصلية، لا تُعلن مجرد أرقام محاسبية. تُعلن عن حالة سلسلة إمداد بأكملها تمتد من باطن الأرض السعودية إلى مصانع الأسمدة في رأس الخير وصولاً إلى حقول القمح في جنوب آسيا وأفريقيا. أرباح شركة معادن ليست مؤشراً مالياً معزولاً بل هي نافذة على ثلاثة أسواق سلعية متشابكة في آنٍ واحد: الفوسفات والألومنيوم والذهب، وكل منها يخضع لمنطق إمداد وطلب مختلف تماماً.
في الربع الأول من عام 2025، جاءت أرباح شركة معادن أدنى من توقعات السوق، مدفوعةً بضغطين متزامنين: تراجع أسعار الفوسفات عن ذرواتها التي بلغتها في عامَي 2022 و2023، وارتفاع تكاليف الطاقة الداخلية التي تُشكّل عصب الإنتاج في مجمع الألومنيوم. لكن قراءة هذه الأرقام دون فهم ما جرى في السوق الفيزيائية تجعل التحليل أعرج. أسعار الفوسفات تراجعت لأن الصين، المُصدِّر الأكبر في العالم، رفعت حصصها التصديرية في مطلع العام بعد تشديد مؤقت فرضته في 2023، مما ضخّ كميات إضافية في السوق الدولية وضغط على هوامش المنتجين المنافسين، بمن فيهم معادن وشريكتها موسيم فوسبوكيم.
هذا التحول في السياسة الصينية يُذكّرنا بحقيقة هيكلية يتجاهلها كثير من المحللين: المملكة العربية السعودية تمتلك ثاني أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، لكن قدرتها على تحديد الأسعار تظل مقيّدة بقرارات بكين. هذا التناقض بين الثروة الجيولوجية والقوة التسعيرية هو جوهر فهم أرباح شركة معادن على المدى البعيد.
ما يستحق المتابعة الدقيقة في الأشهر القادمة هو مسار مشروع الفوسفات الثاني لمعادن في منطقة وعد الشمال.
في الجانب الآخر من قطاع المواد، تُقدّم سابك نموذجاً مختلفاً للتعقيد. ربحية السهم في سابك ظلت تحت ضغط مستمر منذ أن بدأت هوامش البتروكيماويات تتآكل عالمياً في أعقاب موجة الطاقة الإنتاجية الصينية الجديدة. مصانع الإيثيلين والبولي إيثيلين التي افتُتحت في الصين بين عامَي 2021 و2024 أضافت أكثر من خمسين مليون طن من الطاقة الإنتاجية إلى سوق كانت تعاني أصلاً من فائض عرض. سابك، التي تعتمد على الغاز السعودي الرخيص مادةً خاماً، تحتفظ بميزة تكلفة هيكلية، لكن هذه الميزة تتقلص حين تنهار فروق الأسعار بين المواد الخام والمنتجات النهائية.
إعلان توزيعات أرباح سابك لعام 2025 جاء محافظاً، وهو انعكاس أمين لبيئة هوامش لا تزال ضيقة. الشركة تُدار الآن بحذر أكبر مما كانت عليه في سنوات الوفرة، وهذا الحذر مبرر حين تنظر إلى ما يجري في أسواق البوليمرات الآسيوية التي تُحدد في نهاية المطاف قدرة سابك على تسعير صادراتها.
أما شركات الأسمنت السعودية، فنتائجها الفصلية تروي قصة مختلفة تماماً. الطلب المحلي على الأسمنت يرتبط ارتباطاً عضوياً بمعدل الصرف الفعلي على مشاريع رؤية 2030، لا بالأرقام المُعلنة في الميزانيات. البيانات الفصلية لشركات مثل أسمنت العربية وأسمنت اليمامة تُشير إلى أن معدلات الاستخدام تحسنت في الربع الأول من 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مدفوعةً بتسارع العمل في مشاريع نيوم وتطوير الرياض. لكن هذا التحسن يخفي تفاوتاً جغرافياً حاداً: المصانع القريبة من محاور المشاريع الكبرى تعمل بطاقة شبه كاملة، بينما تعاني المصانع البعيدة عن هذه المحاور من فائض طاقة مزمن.
في سياق أوسع، تُثير أسهم النفط الخليجية تساؤلات مشروعة حول العلاقة بين أسعار النفط وأداء شركات المواد. العلاقة ليست خطية كما يفترض كثيرون. ارتفاع أسعار النفط يُحسّن الإيرادات الحكومية ويُعجّل الإنفاق على البنية التحتية، مما يدعم الطلب على الأسمنت والصلب. لكنه في الوقت ذاته يرفع تكاليف الطاقة على منتجي البتروكيماويات الذين يعتمدون على مشتقات النفط لا على الغاز فقط. هذا التأثير المزدوج يعني أن المحلل الذي يشتري قطاع المواد الخليجي كلياً استناداً إلى توقعات نفطية إيجابية يُبسّط علاقة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
ما يستحق المتابعة الدقيقة في الأشهر القادمة هو مسار مشروع الفوسفات الثاني لمعادن في منطقة وعد الشمال. إذا سارت الجداول الزمنية كما هو مخطط، ستضيف الشركة طاقة إنتاجية تُعادل نحو ثلاثين بالمئة من طاقتها الحالية في الأسمدة الفوسفاتية. في سوق يعاني من فائض عرض هيكلي، هذا التوسع يُثير سؤالاً جوهرياً: هل تراهن معادن على تعافي الأسعار أم على قدرتها التنافسية في التكلفة لاكتساب حصة سوقية على حساب منافسين أعلى تكلفة؟ الإجابة ستُحدد ما إذا كان التوسع يُعزز القيمة على المدى البعيد أم يُضيف ضغطاً إضافياً على الهوامش في المرحلة الانتقالية.
قطاع المواد الخليجي يُقدّم في مجمله صورة لمنطقة تمتلك الثروة الخام لكنها تتنافس في أسواق تُحدد أسعارها في بكين وهيوستن وروتردام. فهم هذا التوتر بين الوفرة المحلية والتسعير الخارجي هو نقطة البداية الصحيحة لأي تحليل جاد لأداء هذه الشركات.
الأسهم المذكورة
يغطي جاد قطاع المواد الخليجي بتتبع السلسلة الفيزيائية من الإنتاج إلى السوق النهائية، مؤمناً بأن لكل تحرك سعر تفسيراً فيزيائياً ولكل قصة إمداد بُعداً جيوسياسياً. يتتبع البتروكيماويات والأسمدة والتعدين والسلع الصناعية بصبر من يعرف أن أهم الإشارات في أسواق السلع نادراً ما تكون الأعلى صوتاً.
عرض الملف الكامل ←︎المزيد من جاد
عرض كل مقالات جاد ←︎
المواد الخامتوقعات أرباح قطاع الأسمنت السعودي في ظل تسارع الإنفاق على مشاريع رؤية 2030
1 سبتمبر 2026
المواد الخامالطيران الخليجي وضغوط الصحة العامة: قراءة في مسارين متباينين لأسواق المواد والخدمات
1 سبتمبر 2026
المواد الخامينساب وسابك وضغط الهامش: ما تقوله أرقام 2026 عن بنية البتروكيماويات الخليجية
1 سبتمبر 2026
