ثمة لحظات في تحليل الأسواق يتقاطع فيها ثلاثة تطورات مستقلة ظاهرياً لتكشف عن ضغط واحد متماسك، وما يجري الآن في الاقتصاد الخليجي يبدو من هذا القبيل. انخفاض أرباح موانئ دبي العالمية جراء اضطرابات مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الجملة في المملكة العربية السعودية، وتراجع الأرباح المجمعة للسوق السعودي إلى 16.40 مليار ريال في الربع الرابع من 2025 باستثناء أرامكو، ثلاثة أرقام تبدو متفرقة لكنها تروي قصة واحدة عن بيئة تكاليف آخذة في التشدد وهوامش ربحية تتآكل في القطاعات التي تخدم المستهلك الخليجي مباشرة.

لفهم ما يجري، لا بد من البدء بالبنية اللوجستية التي يقوم عليها الاستهلاك في المنطقة. الخليج ليس منتجاً صافياً للسلع الاستهلاكية، بل هو مستورد هيكلي يعتمد على سلاسل إمداد تمر عبر بحر العرب ومضيق هرمز ومنافذ الشحن الدولية. حين تتعرض هذه المنافذ لاضطراب، سواء من توترات جيوسياسية أو إعادة توجيه للمسارات التجارية، فإن التكلفة لا تقف عند حدود الشركات اللوجستية، بل تنتقل عبر سلسلة القيمة حتى تصل إلى رف المتجر. ما يعانيه DP World اليوم من انكماش في الإيرادات بسبب اضطرابات مضيق هرمز ليس مجرد خبر مالي لشركة موانئ، بل هو مؤشر مبكر على ضغوط تكلفة قادمة ستشعر بها قطاعات التجزئة والأغذية والمشروبات في المنطقة.

التاريخ يُعلّم هنا درساً واضحاً. في كل مرة شهدت فيها منطقة الخليج اضطراباً في مسارات الشحن الرئيسية، سواء في أعقاب أحداث 2019 في بحر العرب أو خلال موجة اضطرابات البحر الأحمر في 2023 و2024، كانت ضغوط التكلفة تنتقل إلى أسعار الجملة في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر. والبيانات السعودية الحالية لأسعار الجملة تشير إلى أن هذا الانتقال ربما بدأ بالفعل. ارتفاع أسعار الجملة في المملكة ليس حدثاً معزولاً، بل هو انعكاس لضغوط تراكمت في الحلقات الأعلى من سلسلة الإمداد وبدأت تجد طريقها نحو المستهلك النهائي.