حين يجلس المحلل أمام بيانات أرباح قطاع التجزئة في دول الخليج لهذا العام، فإن أول ما ينبغي له أن يتذكره هو أن الأرقام الفصلية لا تُفسَّر في فراغ. هي نقاط على منحنى أطول بكثير، منحنى رسمته عقود من التحولات الديموغرافية وإصلاحات هيكلية عميقة وتحولات في سلوك المستهلك لم تكتمل فصولها بعد. الربع الأول من عام 2025 ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما يكون من أكثر الفصول التي تحتاج إلى قراءة متأنية.

ما يُميّز المرحلة الراهنة عن سابقاتها هو أن الاقتصادات الخليجية تمر بتحول مزدوج نادر الحدوث: ضغط تضخمي معتدل لكنه مستمر على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية من جهة، وتوسع متسارع في الإنفاق التقديري المدفوع بإصلاحات رؤية 2030 ونظيراتها الإماراتية والكويتية من جهة أخرى. هذا التوتر بين ضغط الأسعار الأساسية وتوسع الإنفاق الترفيهي والثقافي هو المحرك الحقيقي لأرباح قطاع التجزئة في المنطقة، وليس أي رقم فصلي منفرد.

تأثير التضخم على المستهلك الخليجي لم يكن متجانساً عبر الشرائح الاجتماعية. المستهلك في الشريحة الدنيا والمتوسطة يشعر بضغط حقيقي على سلة إنفاقه الأساسية، لا سيما في ظل تراجع قيمة الدعم الحكومي الضمني الذي كان يُخفف هذا الضغط في عقود سابقة. في المقابل، الشريحة العليا تُعيد توجيه إنفاقها نحو قطاعات الترفيه والضيافة والتجربة، وهو ما يُفسر جزئياً لماذا تبدو أرقام الإيرادات الإجمالية للتجزئة إيجابية في حين أن هوامش الربح الصافية تُخبر قصة أكثر تعقيداً. التضخم وأثره على المستهلك الخليجي ليس رقماً واحداً، بل هو خريطة طبوغرافية متباينة الارتفاعات.