ثمة طريقة مختصرة ومضللة في آنٍ واحد لقراءة ما يجري في أسواق المستهلك الخليجية اليوم، وهي النظر إلى أرقام مبيعات الربع الأخير وإصدار حكم. والطريقة الأكثر صدقاً، وإن كانت أبطأ، هي أن تسأل أولاً: منذ متى بدأ هذا النمط، وما الذي غيّره، وهل ما نراه الآن هو تسارع لشيء بنيوي أم مجرد ضجيج موسمي؟ حين تطرح السؤال بهذه الطريقة، تجد نفسك مضطراً للعودة إلى ما قبل عشر سنوات على الأقل، إلى اللحظة التي بدأت فيها المملكة العربية السعودية والإمارات تُعيدان رسم العلاقة بين الدولة والمستهلك بشكل لم تشهده المنطقة من قبل.

إدخال ضريبة القيمة المضافة في المملكة عام 2018 ثم رفعها إلى خمسة عشر بالمئة عام 2020، وإعادة هيكلة منظومة الدعم الحكومي للطاقة والوقود والمياه، لم تكن إجراءات مالية تقنية بالمعنى الضيق. كانت إعادة توزيع للعبء بين الدولة والأسرة، وهذا التوزيع يعيد تشكيل سلوك الإنفاق بصورة هادئة وعميقة في آنٍ معاً. المستهلك السعودي الذي اعتاد على أسعار طاقة مدعومة بقوة وجد نفسه أمام معادلة مختلفة في الدخل المتاح الفعلي، وهذا بالضبط ما يجعل تفسير أداء قطاع التجزئة في تداول خلال السنوات الأخيرة أمراً يستدعي أكثر من قراءة سطحية لأرقام الإيرادات.

لكن الصورة ليست أحادية الاتجاه. تأثير رؤية 2030 على قطاع المستهلكين لا يُقرأ فقط من جانب الضغط على الدخل، بل يجب أن يُقرأ أيضاً من جانب خلق الطلب. الاستثمار الهائل في قطاع الترفيه والضيافة والسياحة الداخلية أوجد فئات إنفاق لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل عقد. الأسرة السعودية التي كانت تُخصص جزءاً من دخلها للسفر الخارجي بحثاً عن خيارات الترفيه باتت اليوم تجد بدائل حقيقية داخل المملكة، وهذا يعني إعادة توجيه الإنفاق لا انكماشه. الفارق دقيق لكنه جوهري: ما يبدو كنمو في قطاع بعينه قد يكون في جزء منه إعادة توزيع داخلية لدخل لم يتغير حجمه كثيراً.