ثمة لحظات في تحليل أسواق المستهلك تبدو فيها الأرقام الراهنة وكأنها تتحدث بصوت مرتفع بما يكفي لإسكات كل ما سبقها. وهذا بالضبط ما يجعل تلك اللحظات خطرة. أسهم قطاع المستهلك في المملكة العربية السعودية تعيش اليوم موجة اهتمام واسعة، مدفوعةً بمزيج من النمو السكاني الشبابي والإنفاق الحكومي على الترفيه وتوسع التجارة الإلكترونية وارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل. لكن قبل أن تُقرأ هذه العوامل باعتبارها تأكيداً لاتجاه مضمون، يستحق الأمر أن نتوقف ونسأل: ما الذي يبدو جديداً هنا فعلاً، وما الذي كان موجوداً دائماً لكنه لم يُقرأ بشكل صحيح؟

القصة الديموغرافية ليست وليدة اليوم. المملكة العربية السعودية دولة شابة بكل المقاييس الكمية، إذ يقل عمر نحو ستين بالمئة من مواطنيها عن خمسة وثلاثين عاماً. هذا الرقم ظل ثابتاً في كل تقرير وكل عرض تقديمي لسنوات طويلة، وكثيراً ما استُخدم ذريعةً لتبرير توقعات نمو طموحة في التجزئة والترفيه والأغذية. غير أن الديموغرافيا وحدها لا تُنتج إنفاقاً. ما يُنتج الإنفاق هو الدخل المتاح، والثقة في الاستقرار الاقتصادي، والبنية التحتية التي تُحوّل الرغبة إلى معاملة. وهنا تحديداً تبدأ القصة السعودية في اكتساب ملامح مختلفة عما كانت عليه قبل عقد.

التحول الذي أحدثته رؤية 2030 في بنية الإنفاق الاستهلاكي لم يكن تدريجياً بالمعنى الهادئ للكلمة. كان تحولاً هيكلياً مصحوباً بصدمات قصيرة المدى متعددة. إدخال ضريبة القيمة المضافة عام 2018 ثم مضاعفتها إلى خمسة عشر بالمئة عام 2020 أعادا رسم خريطة الإنفاق الأسري بشكل لم تستوعبه كثير من نماذج التقييم في وقتها. الأسر ذات الدخل المحدود ضغطت على إنفاقها التقديري، والقطاعات التي كانت تُعامَل باعتبارها مستفيدة من الزخم الديموغرافي وجدت نفسها تتكيف مع سلوك مستهلك أكثر حذراً مما توقعته نماذج النمو. ثم جاءت الجائحة لتُعيد ترتيب الأولويات مرة أخرى، لكنها في الوقت ذاته أطلقت تسارعاً في التجارة الإلكترونية لم يكن ليحدث بهذه الوتيرة في ظروف عادية.