ثمة حقيقة فيزيائية بسيطة تقف خلف كل ما يجري في قطاع المواد السعودي هذا العام، وهي أن الطاقة الإنتاجية البتروكيماوية العالمية تفوق الطلب بفارق لا يمكن إخفاؤه خلف أي بيان صحفي. هذا الفائض هو الذي يضغط على هوامش سابك، وهو الذي يفسر لماذا تحولت الشركة إلى خسائر صافية بلغت 25.78 مليار ريال في عام 2025 بأكمله، في حين حافظت على إيرادات تجاوزت 116 مليار ريال.

سجّلت سابك خسارة صافية بلغت 25.78 مليار ريال في 2025، مقارنةً بربح صافٍ بلغ 1.54 مليار ريال في العام السابق، فيما تراجعت الإيرادات بنسبة 1.03 بالمئة عن مستويات 2024.

الإيرادات تتماسك، لكن هوامش التحويل من المواد الخام إلى المنتج النهائي تتآكل تحت وطأة ما وصفه الرئيس التنفيذي عبدالرحمن الفقيه بـ"الطاقة الإنتاجية الفائضة التي استمرت في ضغط الهوامش وخفض معدلات الاستخدام".

غير أن ما يستحق التأمل الحقيقي ليس الخسارة في حد ذاتها، بل القرار الذي اتخذته الشركة في مواجهتها.

بلغت إجمالي توزيعات أرباح سابك 2025 تسعة مليارات ريال، منها 4.5 مليار ريال دُفعت في النصف الأول، وذلك رغم تراجع الإيرادات بنسبة واحد بالمئة إلى 117 مليار ريال.

هذا القرار لا يقرأ على أنه سخاء، بل على أنه رسالة هيكلية موجهة إلى السوق: الشركة التي تمتلك أرامكو السعودية سبعين بالمئة منها لا تستطيع أن تتخلى عن دورها كمصدر للتدفق النقدي في المنظومة الصناعية السعودية، حتى حين تتقلص الهوامش.

💡 رؤية

هذا التباين داخل المجموعة الواحدة يكشف عن حقيقة جوهرية: الأسمدة تسير بمنطق سوقي مختلف عن البتروكيماويات، وأسعار الغذاء العالمية تدعم الطلب على اليوريا والأمونيا بمعزل نسبي عن تقلبات خام برنت..

حُدد موعد التوزيع في التاسع من سبتمبر، مع تأكيد الشركة التزامها بتوزيع أرباح تنافسية على المدى البعيد رغم التحديات التي تواجه أسواق البتروكيماويات العالمية.

لكن ثمة طبقة أعمق في هذه القصة تتعلق بالبنية الداخلية لمجموعة سابك ذاتها. فبينما تعاني الشركة الأم من ضغط أسعار البيع في البتروكيماويات، تسير ذراعها الزراعية في اتجاه مختلف تماماً.

أعلنت سابك للمغذيات الزراعية عن توزيع أرباح بلغ 1.7 مليار ريال، بعد أن نمت إيراداتها 18 بالمئة لتصل إلى 13 مليار ريال في 2025، فيما ارتفع صافي الدخل 30 بالمئة إلى 4.3 مليار ريال.

هذا التباين داخل المجموعة الواحدة يكشف عن حقيقة جوهرية: الأسمدة تسير بمنطق سوقي مختلف عن البتروكيماويات، وأسعار الغذاء العالمية تدعم الطلب على اليوريا والأمونيا بمعزل نسبي عن تقلبات خام برنت.

وهنا يكمن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمحللين: ما الذي يربط سعر خام برنت بأسهم القطاع الصناعي السعودي فعلياً؟ العلاقة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في النظرة الأولى. انخفاض برنت يضغط على الإيرادات الحكومية، وهو ما يؤثر نظرياً على وتيرة الإنفاق على المشاريع الكبرى. لكن الإنفاق الرأسمالي لصندوق الاستثمارات العامة يسير وفق منطق استراتيجي متعدد السنوات لا يتوقف عند كل تصحيح في أسعار النفط. الأثر الأكثر مباشرة لانخفاض برنت يتجلى في تكلفة المواد الخام للبتروكيماويات، إذ تنخفض تكلفة الإيثان والنافثا المشتقة من النفط، وهو ما يمنح المنتجين الخليجيين ميزة تنافسية نسبية في مواجهة المنافسين الأوروبيين والآسيويين الذين يعتمدون على مواد خام أغلى.

أما القصة الأبطأ والأكثر عمقاً في قطاع المواد السعودي فتتعلق بالتعدين.

رفعت المملكة إنفاقها على استكشاف التعدين بنسبة 500 بالمئة منذ عام 2020، ليصل إلى 1.05 مليار ريال في 2024، في إطار رؤية 2030 الهادفة إلى جعل التعدين الركيزة الثالثة للدخل الوطني.

هذا الرقم يستحق أن