حين تتحدث رؤية 2030 عن التنويع الاقتصادي، فإنها لا تتحدث عن فكرة مجردة بل عن طن من الفوسفات يُستخرج من باطن الأرض في منطقة الجوف، وعن وحدة بروبيلين تُعالَج في الجبيل الصناعية، وعن شحنة أسمدة تغادر ميناء ينبع باتجاه جنوب آسيا. هذا هو المستوى الفيزيائي الذي ينبغي أن يبدأ منه أي تحليل جاد لقطاع المواد في المملكة العربية السعودية، لأن الأرقام المالية لا تعدو كونها ظلاً لما يجري في تلك المنشآت.

من باطن الأرض إلى سلسلة القيمة

تمتلك المملكة العربية السعودية ثاني أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، وتحتل مرتبة متقدمة في احتياطيات البوكسيت والذهب والنحاس. هذه ليست مجرد أرقام جيولوجية؛ إنها الأساس الذي تقوم عليه استراتيجية استثمار التعدين رؤية 2030 بأكملها. شركة معادن، التي تأسست عام 2008 وباتت اليوم من أكبر شركات التعدين في منطقة الشرق الأوسط، هي الذراع التنفيذية الرئيسية لهذه الاستراتيجية. تشغّل الشركة مجمع الفوسفات في وعد الشمال، ومصهر الألمنيوم في رأس الخير، وعمليات استخراج الذهب في مناطق متعددة من الدرع العربي.

ما يجعل نموذج معادن مثيراً للاهتمام التحليلي ليس حجمها وحده، بل تكاملها الرأسي. فهي لا تستخرج الخام فحسب، بل تعالجه وتحوّله إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة. مجمع الفوسفات مثلاً يمتد من التعدين إلى إنتاج حمض الفوسفوريك وصولاً إلى الأسمدة الجاهزة للتصدير. هذا التكامل يعني أن هامش الشركة لا يتوقف فقط على سعر الخام بل على الفارق بين تكلفة الاستخراج وسعر المنتج النهائي في الأسواق الدولية، وهو فارق يتشكّل بدوره من ديناميكيات الطلب الزراعي العالمي وتكاليف الطاقة والمنافسة من المنتجين المغاربة والروس.