حين يرتفع سهم إعمار العقارات بنسبة تتجاوز المتوسط الأسبوعي لمؤشر دبي المالي في الجلسات الأخيرة، فإن الحركة لا تُقرأ بمعزل عن السياق الذي أنتجها. سوق دبي المالي سجّل مكاسب أسبوعية بلغت 25.23 مليار درهم، ليتصدر الأسواق العربية في أداء أسبوعي واحد، فيما رفعت أسواق الإمارات مجتمعةً رسملتها بمقدار 69 مليار درهم خلال الفترة ذاتها. الرقمان كبيران بما يكفي لاستدعاء السؤال الأصح: أي القطاعات حمل هذا الثقل، وما الذي يكشفه عن بنية الطلب في السوق؟

الإجابة تبدأ من تركيبة مؤشر دبي المالي ذاتها. القطاع العقاري والمالي يمثلان معاً ما يزيد على 60 بالمئة من الوزن السوقي للمؤشر، وهذا يعني أن أي حركة صاعدة في المؤشر تحمل في طياتها بالضرورة تحسناً في تقييم الأصول العقارية المدرجة أو في توقعات أرباح شركات التطوير. إعمار العقارات وحدها تمثل نحو 20 بالمئة من الوزن الكلي للمؤشر، ما يجعل أي تحليل لأداء السوق الأسبوعي ناقصاً دون قراءة ما يجري في دفاتر أكبر مطور عقاري مدرج في المنطقة.

💡 رؤية

ما يبقى صحيحاً بعد استبعاد ضجيج الأسعار النفطية هو أن سوق دبي المالي يُجسّد بشكل متزايد حالة الاقتصاد الإماراتي في مرحلة ما بعد التنويع.

ما يجعل هذه الحركة الأسبوعية لافتة ليس حجمها المطلق بل توقيتها. الأسواق الناشئة في المنطقة تعرضت خلال الأشهر الماضية لضغوط مزدوجة من ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع شهية المستثمرين الأجانب نحو الأصول ذات المخاطر المرتفعة. أن تسجل أسواق الإمارات مكاسب بهذا الحجم في هذا السياق يعني أن ثمة عوامل محلية تعمل بعكس التيار الخارجي، وأبرزها امتداد الإعفاء الضريبي على الشركات الصغيرة حتى ديسمبر 2029. هذا القرار ليس مجرد إجراء ضريبي بل هو إشارة سياسية واضحة بأن الإمارات تُمدد فترة التكيف مع منظومة الضريبة على الشركات البالغة 9 بالمئة، وهو ما يُخفف الضغط على شركات التطوير العقاري الصغيرة والمتوسطة التي تُشكّل جزءاً غير مهمل من خط الإمداد في سوق المشاريع على الخارطة.

لكن الأثر الأعمق يظهر في كيفية تسعير السوق لهذا القرار. شركات التطوير المتوسطة المدرجة في سوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية شهدت تحسناً في مضاعفات تقييمها خلال الأسبوع، وهو ما يعكس إعادة تسعير جزئية لمخاطر الربحية في ظل بيئة ضريبية أقل ضغطاً على المدى القريب. المستثمر المؤسسي الذي كان يُسعّر احتمالية ضغط هوامش الأرباح بفعل الضريبة بات يُعيد النظر في تلك الاحتمالية، وهذا وحده كافٍ لتحريك التقييمات صعوداً دون أن تتغير أي معطيات تشغيلية فعلية.

الصورة الأوسع التي تكشفها مكاسب الـ69 مليار درهم تتعلق بطبيعة السيولة المتدفقة إلى هذه الأسواق. البيانات التاريخية لسوق دبي المالي تُظهر أن نسبة تداول المستثمرين الأجانب تراوحت بين 40 و50 بالمئة من إجمالي حجم التداول في السنوات الأخيرة، وهي نسبة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عقد. هذا التحول في تركيبة المستثمرين يجعل السوق أكثر استجابةً للمحفزات الكلية الإقليمية وأقل ارتباطاً بالتدفقات المحلية البحتة، وهو ما يُفسر جزئياً لماذا تجاوزت مكاسب دبي نظيراتها الخليجية في الأسبوع ذاته رغم أن الضغوط الخارجية كانت موحدة على المنطقة.

غير أن ثمة تحفظاً منهجياً ينبغي إيراده هنا. الأسواق المالية الخليجية تتسم تاريخياً بتقلبات متزامنة مع توقعات أسعار النفط، وأي قراءة لمكاسب أسبوعية دون استحضار هذا المتغير تبقى منقوصة. حين يرتفع خام برنت فوق مستوى معين تتحرك الأسواق الخليجية بشكل شبه آلي بصرف النظر عن الأداء التشغيلي للشركات المدرجة. هذا الارتباط يُضعف قدرة المكاسب الأسبوعية على أن تكون مؤشراً نقياً لتحسن أساسيات القطاع العقاري تحديداً.

ما يبقى صحيحاً بعد استبعاد ضجيج الأسعار النفطية هو أن سوق دبي المالي يُجسّد بشكل متزايد حالة الاقتصاد الإماراتي في مرحلة ما بعد التنويع. القطاع العقاري المدرج يعكس حجم الطلب الفعلي على الأصول العقارية من مستثمرين يُفضلون السيولة على الملكية المباشرة، وهذا الطلب لم يتراجع بل تحوّل في أدواته. المكاسب الأسبوعية البالغة 25.23 مليار درهم في دبي وحدها ليست رقماً معزولاً بل هي انعكاس لعمق سوق بات يستوعب تدفقات رأسمالية متنوعة المصادر ومتباينة الأفق الزمني في آنٍ واحد، وهذا التنوع هو ما يُميز دبي عن بقية الأسواق العربية في هذه المرحلة تحديداً.