إشعار
هذا المقال يعبّر عن آراء المحلل. لأغراض معرفية فحسب. لا تُعدّ هذه المعلومات نصيحةً استثماريةً أو توصيةً أو دعوةً للاكتتاب. يُنصح باستشارة مستشارٍ ماليٍّ مرخّصٍ قبل اتخاذ أيّ قرارٍ استثماري.
حين تتجاوز قيمة تداولات الأسهم الإماراتية 326 مليار درهم في سبعة أشهر فحسب، فإن الرقم لا يُقرأ بمعزل عن السياق الذي أنتجه. هذا المستوى من السيولة، الذي يعادل ما يزيد على 88 مليار دولار في فترة لا تتجاوز ثلاثة أرباع السنة، يُشير إلى أن الأسواق الإماراتية لم تعد تعتمد على موجات المضاربة القصيرة التي ميّزت دورات سابقة، بل باتت تستقطب تدفقات ذات طابع مختلف في أفقها الزمني وطبيعة مصادرها.
الجلسات الأخيرة في بورصتي دبي وأبوظبي أعطت مؤشراً على هذا التحول. الارتفاع الذي سجّلته الأسواق مدفوعاً بنتائج أعمال إيجابية للشركات المدرجة لم يكن ارتفاعاً عشوائياً في المؤشر العام، بل كان مركّزاً في قطاعات بعينها، وهو ما يُميّز السوق الناضج عن السوق الذي يتحرك بالزخم وحده. حين يرتفع سهم بنك أو شركة تأمين أو مطوّر عقاري بعد إعلان نتائج فصلية تتجاوز توقعات المحللين، فإن ذلك يعني أن هناك طبقة من المستثمرين تقرأ الأرقام وتُسعّر على أساسها لا على أساس الضجيج.
القطاع المصرفي يستحق التوقف عنده بشكل خاص. البنوك الإماراتية الكبرى، التي تُمثّل وزناً جوهرياً في مؤشري سوق أبوظبي للأوراق المالية وبورصة دبي، دخلت النصف الأول من 2026 بهوامش فائدة صافية محسّنة مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس مباشرةً بيئة أسعار الفائدة التي أبقت عليها الفيدرالي الأمريكي مرتفعة لفترة أطول مما توقّعه كثيرون. الدرهم المربوط بالدولار يعني أن كل قرار من الفيدرالي يترجم فورياً إلى هامش ربحية في الميزانيات المصرفية الإماراتية، وهذه المعادلة البسيطة تفسّر جزءاً كبيراً من الأداء القوي الذي تُظهره نتائج الأعمال.
تغطي ريما سوق العقارات الخليجية كما يغطي الصحفيون الاستقصائيون الاحتيال المالي، بتتبع الصفقات وقراءة الإيداعات والعثور على الرقم الذي يُغير القصة. تؤمن بأن كل سوق عقاري يخبرك بالضبط إلى أين يتجه طالما كنت مستعداً للنظر فيما يُباع فعلاً وما يبقى خالياً وكيف تبدو التمويلات تحت السطح.
عرض الملف الكامل ←︎لكن السيولة وحدها لا تُخبر القصة كاملة. ما يستحق الفحص هو التوزيع القطاعي لهذه التداولات البالغة 326 مليار درهم. في دورات سابقة، كانت حصة الأسهم العقارية والمضاربية تُهيمن على أحجام التداول، مما كان يجعل الأرقام الإجمالية مضلّلة بعض الشيء. المؤشر الأكثر دلالة هو ما إذا كانت هذه السيولة تتوزع على قطاعات متعددة أو تتمركز في عدد محدود من الأسهم عالية التقلب. التوزيع الأوسع يُشير إلى عمق حقيقي في السوق، بينما التمركز يُشير إلى موجة زخم قابلة للانعكاس.
القطاع المصرفي يستحق التوقف عنده بشكل خاص.
بورصة مسقط أضافت بُعداً إقليمياً مثيراً للاهتمام. ارتفاع المؤشر 160 نقطة مع قيمة تداول بلغت 255 مليون ريال عُماني في جلسة واحدة يُمثّل نشاطاً ملموساً بمقاييس السوق العُماني الذي يظل أصغر حجماً من نظيريه الإماراتيين. السوق العُماني يعكس ديناميكية مختلفة نسبياً، إذ يرتبط أداؤه بشكل أوثق بأسعار النفط وبرامج التنويع الاقتصادي التي تسير عليها رؤية عُمان 2040، وارتفاع المؤشر في هذا السياق يُقرأ كانعكاس للثقة في مسار الإصلاح الاقتصادي أكثر من كونه استجابة لعوامل تقنية آنية.
السوق السعودي، الذي يُمثّل الثقل الأكبر في منظومة الأسواق الخليجية، يدخل النصف الثاني من 2026 في مرحلة إعادة توازن مثيرة للاهتمام. دورات إعادة توازن المحافظ في منتصف السنة تُولّد عادةً تدفقات مغايرة لتلك التي تسود في الربع الأول، حيث يميل المستثمرون المؤسسيون إلى تقليص مراكزهم في القطاعات التي حقّقت أداءً متفوقاً وإعادة توجيهها نحو القطاعات المتأخرة. هذا النمط يُفسّر جزءاً من التذبذب الذي يُلاحظه المتابعون في منتصف يونيو دون أن يُشكّل بالضرورة تحولاً في الاتجاه الرئيسي.
ما تكشفه هذه الأرقام مجتمعةً هو أن أسواق الخليج تمر بمرحلة نضج هيكلي حقيقي، لكنها لم تتخلص بعد من بعض الهشاشات الموروثة. السيولة المرتفعة في الإمارات تُعبّر عن جاذبية حقيقية للرأسمال الإقليمي والدولي، مدعومةً بإصلاحات تنظيمية متراكمة وبيئة ضريبية تنافسية وعمق في قاعدة الشركات المدرجة. لكن الاختبار الحقيقي لعمق هذه الأسواق سيأتي حين تتغير بيئة أسعار الفائدة العالمية، وهو ما سيضغط على هوامش البنوك ويُعيد تسعير الأصول عبر القطاعات.
المستثمر الذي يقرأ رقم 326 مليار درهم كمؤشر على صحة السوق وحده يُخاطر بتبسيط مُخلّ. الرقم يُخبر بحجم النشاط لا بجودته. جودة السيولة تُقاس بمدى ارتباطها بتحسّن حقيقي في أرباح الشركات وتوسّع في قاعدة المستثمرين المؤسسيين، لا بتضخّم في حجم الصفقات المضاربية. نتائج الأعمال الإيجابية التي دفعت الأسواق الإماراتية للارتفاع في الجلسات الأخيرة تُشير إلى أن الجزء الأول من هذه المعادلة في مكانه الصحيح. الجزء الثاني يحتاج إلى مزيد من الوقت والبيانات لتأكيده.