ثمة مغالطة شائعة تتسلل إلى كثير من التحليلات حين يتناول المحللون قطاع المستهلك السعودي في سياق رؤية 2030، وهي معاملة كل رقم إيجابي يصدر عن قطاع التجزئة أو الترفيه أو الضيافة باعتباره دليلاً على نجاح التحول الهيكلي، دون أن يتوقفوا لحظة ليسألوا: هل هذا النمو ثمرة إعادة تشكيل حقيقية في بنية الإنفاق، أم أنه موجة طلب مكبوت تتحرر بفعل انفتاح اجتماعي مفاجئ؟ الفارق بين الاثنين ليس أكاديمياً، بل هو جوهر أي تقدير موثوق لمسار هذا القطاع في السنوات القادمة.

لفهم ما يجري الآن، لا بد من العودة إلى ما قبل عام 2016. كان الاقتصاد السعودي يعمل وفق نموذج دعم ضمني يُبقي أسعار الطاقة والمياه والوقود عند مستويات مصطنعة، وكانت الحكومة تستوعب نسبة كبيرة من القوى العاملة في القطاع العام بشكل يُضعف الحوافز الإنتاجية ويُبقي الإنفاق الاستهلاكي مرتبطاً بصورة شبه كاملة بالريع النفطي. حين انهارت أسعار النفط عام 2014 وأفضت إلى عجز مالي حاد، كان الرد الحكومي الذي تبلور في رؤية 2030 أكثر من مجرد برنامج تنويع اقتصادي، كان في جوهره إعادة تعريف للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وهذا ما يجعل تداعياته على سلوك المستهلك أعمق بكثير مما تُظهره أرقام مبيعات التجزئة ربع السنوية.

أول هذه التداعيات الهيكلية كان إدخال ضريبة القيمة المضافة في يناير 2018 عند معدل خمسة بالمئة، ثم رفعها إلى خمسة عشر بالمئة في يوليو 2020 في خضم جائحة كوفيد. هذا التحول وحده كان كافياً لإعادة تشكيل خارطة الإنفاق الأسري، إذ ارتفعت التكلفة الفعلية لسلة الاستهلاك بصورة لم تكن الأسر السعودية تعرفها تاريخياً. ما يلفت الانتباه هو أن الإنفاق الاستهلاكي لم ينهار رغم هذا الضغط، بل تكيّف وإن بصورة غير متجانسة: الإنفاق على السلع الأساسية أظهر مرونة أكبر، بينما شهد الإنفاق التقديري تحولاً في التوزيع أكثر من كونه تراجعاً مطلقاً. هذا النوع من التكيف يستحق قراءة متأنية لأنه يُخبرنا بشيء عن عمق الطلب لا عن سطحه فحسب.