ثمة شركات تجزئة تخبرك بما يشتريه الناس، وثمة شركات أخرى تخبرك بكيف يفكرون. مكتبة جرير للتسويق تنتمي إلى الصنف الثاني. فعندما يتحرك سهمها صعوداً أو هبوطاً في أعقاب إعلان نتائج فصلية، فإن ما يتحرك معه ليس مجرد رقم في قائمة أسهم تداول للقطاع الاستهلاكي التقديري، بل هو مؤشر مركّب على طريقة إنفاق الأسرة السعودية على ما لا تحتاجه بالضرورة لكنها تختار اقتناءه.

قبل أن نقرأ أي رقم من أرقام أرباح سهم مكتبة جرير للأرباع الأخيرة، ينبغي أن نضع أمامنا السياق الذي نشأت فيه هذه الشركة وتطورت. مكتبة جرير لم تبنِ نموذجها التجاري في فراغ. بنته في مرحلة كانت فيها التجزئة السعودية تعتمد اعتماداً شبه كلي على الإنفاق الحكومي وعائدات النفط كمحرك للطلب الاستهلاكي. كانت دورة الإنفاق واضحة: ترتفع أسعار النفط فترتفع الرواتب الحكومية فيرتفع الإنفاق التقديري. وكانت مكتبة جرير، بمزيجها من الكتب والإلكترونيات ومستلزمات المكاتب والهدايا، مستفيدةً مباشرةً من هذا النمط. ما يجعل المرحلة الراهنة مختلفة تحليلياً هو أن هذا النمط بدأ يتغير بشكل هيكلي منذ عام 2016 على الأقل.

💡 رؤية

غير أن تحليل أسهم التجزئة السعودية على تداول يستلزم الانتباه إلى تحدٍّ هيكلي آخر لا يمكن تجاهله: التجارة الإلكترونية.

رؤية 2030 لم تكن مجرد خطة تنويع اقتصادي بالمعنى التقليدي. كانت في جوهرها إعادة هيكلة لعلاقة المواطن السعودي بالإنفاق. إصلاحات الدعم ورفع أسعار الطاقة وإدخال ضريبة القيمة المضافة وبرامج التوطين في سوق العمل غيّرت معادلة الدخل المتاح للأسرة السعودية بشكل دائم. الأسرة التي كانت تنفق على الكتب والأجهزة الإلكترونية في جرير دون أن تحسب تكلفة الوقود والكهرباء بدقة باتت اليوم تُجري حساباً مختلفاً. هذا لا يعني أن الطلب انهار، لكنه يعني أن طبيعة هذا الطلب تغيرت وأن فهم تأثير رؤية 2030 على قطاع التجزئة يستلزم قراءة أعمق من مجرد مقارنة أرقام المبيعات ربعاً بربع.