العنوان: عوائد الإيجار في سوق دبي العقاري وصناديق الريت السعودية: قراءة في الأرقام التي تُعيد رسم خريطة الاستثمار الخليجي

في الربع الأول من عام 2025، سجّل برج سكني في منطقة الخليج التجاري بدبي متوسط عائد إيجاري بلغ 7.2% على الوحدات المؤلفة من غرفة واحدة، في حين لم تتجاوز عوائد وحدات مماثلة في مناطق وسط لندن 3.8% خلال الفترة ذاتها. هذا الفارق البالغ 340 نقطة أساس لا يُقرأ كرقم معزول، بل كعلامة على تحوّل هيكلي في توجهات رأس المال الدولي نحو أسواق الخليج، وفي مقدمتها دبي والمملكة العربية السعودية.

الأرقام التي تحكم السوق

💡 رؤية

صناديق الريت السعودية تُقدّم مسار عائد أكثر قابلية للتنبؤ لكنه أقل إثارة، مدعوماً بعقود طويلة وتنويع جغرافي داخل المملكة يستفيد من مشاريع رؤية 2030 وما تولّده من طلب على المساحات التجارية والترفيهية والسكنية في مدن كالرياض وجدة والقدية والعُلا.

عوائد الإيجار في سوق دبي العقاري تتفاوت تفاوتاً حاداً بحسب الموقع والفئة. في مناطق مثل الخليج التجاري وجميرا فيليدج سيركل ومدينة دبي للإنتاج، تتراوح العوائد الإجمالية بين 6.5% و8.1% سنوياً على الوحدات السكنية الصغيرة. أما في مناطق الفخامة كنخلة جميرا ومرسى دبي، فتنخفض العوائد إلى نطاق 4.5% إلى 5.8%، وهو ما يعكس ارتفاع سعر الشراء لا انخفاض الطلب الإيجاري. سعر المتر المربع في دبي بلغ في المتوسط نحو 14,500 درهم للوحدات السكنية خلال الربع الأول من 2025، مع تسجيل مناطق كداون تاون دبي أسعاراً تتخطى 25,000 درهم للمتر، فيما تظل مناطق التوسع الجديدة كدبي الجنوب ومجمع دبي للاستثمار دون عتبة 8,000 درهم للمتر، وهو ما يفسّر جزءاً من الفجوة في العوائد بين المناطق.

حجم المعاملات العقارية في دبي خلال الربع الأول من 2025 تجاوز 108 مليارات درهم، بارتفاع يقارب 23% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. الجزء الأكبر من هذا النشاط جاء من المشترين الأجانب، وتحديداً من الهند وروسيا والمملكة المتحدة والصين، ما يعني أن السوق لم يعد يتحرك بدوافع محلية فحسب.

ما تكشفه صناديق الريت السعودية

على الجانب الآخر من الخليج، تُقدّم صناديق الريت السعودية قراءة مختلفة لمعادلة العائد والمخاطر. صندوق الريت السعودي للتجزئة، الذي يمتلك محفظة تضم مراكز تجارية في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، أعلن عن عائد توزيعات بلغ 5.9% خلال عام 2024، مع نسبة إشغال وصلت إلى 94% عبر محفظته البالغة مساحتها الإجمالية نحو 420,000 متر مربع. صندوق مشاركة الريت سجّل بدوره عائداً على التوزيعات بلغ 6.4% للعام ذاته، مستنداً إلى عقود إيجار طويلة الأمد مع مستأجرين من القطاع الحكومي والشبه حكومي.

ما يميّز صناديق الريت السعودية هيكلياً هو ارتباطها بعقود إيجار بالريال السعودي المرتبط بالدولار، ما يُقلّص مخاطر العملة لمستثمري دول الخليج. غير أن السيولة تظل نقطة ضعف نسبية؛ متوسط حجم التداول اليومي لكبرى صناديق الريت السعودية لا يتجاوز في الغالب 15 إلى 25 مليون ريال، وهو رقم يجعل بناء مراكز كبيرة أو الخروج منها بسرعة أمراً مكلفاً.

التوتر الهيكلي في دبي

العائد المرتفع في دبي لا يُقرأ بمعزل عن حجم العرض القادم. خط أنابيب المشاريع السكنية في دبي يضم نحو 80,000 وحدة مقررة للتسليم بين عامَي 2025 و2027، وهو رقم يفوق معدلات التسليم التاريخية بفارق ملحوظ. إذا تباطأ تدفق السكان الوافدين أو تراجع الطلب الاستثماري الأجنبي لأي سبب، فإن هذا العرض المتراكم قادر على الضغط على معدلات الإشغال وبالتالي على عوائد الإيجار في سوق دبي العقاري خلال الأفق الزمني ذاته.

في المقابل، يُشير مسح أجرته دائرة الأراضي والأملاك في دبي إلى أن نسبة الوحدات المباعة على الخارطة من إجمالي المعاملات ارتفعت إلى 63% في الربع الأول من 2025، مقارنة بـ 51% في الفترة ذاتها من 2023. هذا التحوّل يعني أن جزءاً متزايداً من الطلب يُموَّل بتدفقات مستقبلية لا حاضرة، وهو ما يُضيف طبقة من الغموض حول قدرة السوق على استيعاب العرض القادم دون ضغط على الأسعار.

المقارنة التي تُغري وتُحذّر في آنٍ واحد

عوائد الإيجار في سوق دبي العقاري تبدو مغرية حين تُقارَن بالأسواق الناضجة في أوروبا وأمريكا الشمالية. لكن المقارنة الأدق هي مع الدورات السابقة في دبي نفسها؛ في عام 2008 كانت العوائد تبدو مرتفعة أيضاً قبل أن تنهار الأسعار بأكثر من 50% في بعض المناطق. الفارق هذه المرة هو أن قاعدة المستثمرين أكثر تنوعاً جغرافياً، وأن الرافعة المالية أقل حدة، وأن الطلب الفعلي على الإيجار من السكان العاملين في الإمارة يدعم جزءاً حقيقياً من هذه العوائد.

صناديق الريت السعودية تُقدّم مسار عائد أكثر قابلية للتنبؤ لكنه أقل إثارة، مدعوماً بعقود طويلة وتنويع جغرافي داخل المملكة يستفيد من مشاريع رؤية 2030 وما تولّده من طلب على المساحات التجارية والترفيهية والسكنية في مدن كالرياض وجدة والقدية والعُلا. الرقم الذي يستحق المتابعة هنا هو نسبة الدين إلى الأصول في هذه الصناديق، إذ تتراوح بين 30% و45% في معظمها، وهو نطاق يُبقي هامش الأمان مقبولاً في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.

الأسواق الخليجية تُقدّم اليوم نموذجَي عائد متمايزَين: عائد مرتفع وأكثر تقلباً في دبي، وعائد أكثر انتظاماً وأقل سيولة في صناديق الريت السعودية. الأرقام واضحة. القراءة الصحيحة لها تبقى مهمة كل مستثمر بمفرده.