ثمة لحظات في أسواق الخليج تبدو فيها الأرقام اليومية متناقضة مع بعضها، حتى يدرك المحلل المتأني أن التناقض ليس في البيانات بل في الإطار الذي نقرأها من خلاله. ما نشهده هذه الأيام من تراجع في المؤشر السعودي الرئيسي بنسبة تقارب 0.3 بالمئة، في الوقت الذي تسجل فيه الأسهم العقارية مكاسب ملموسة، وما تُعلنه سلطنة عُمان من خطة للطاقة الشمسية المجتمعية بقيمة خمسة ملايين دولار، وما تُسجله دبي من صفقة بيع نادٍ رياضي بخمسمئة وخمسة وسبعين مليون درهم، ليست أحداثاً منفصلة تستحق كل منها سطراً إخبارياً مستقلاً. هي في مجموعها قراءة واحدة لسوق يعيد تعريف نفسه أمام أعيننا.

لنبدأ من حيث يبدأ كثير من المحللين لكن نادراً ما يُكملون المسار: أسعار النفط وعلاقتها بأسواق الخليج المالية. هذه العلاقة حقيقية وموثقة عبر عقود، لكنها لم تكن يوماً بسيطة كما تُصوّرها التغطية الإخبارية اليومية. في مرحلة ما قبل رؤية 2030 وما يوازيها من برامج التنويع الإماراتية والعُمانية، كان انخفاض النفط يُترجم شبه آلياً إلى ضغط على الإيرادات الحكومية ومن ثم على الإنفاق العام ومن ثم على أرباح الشركات المدرجة. هذه السلسلة لم تختفِ، لكنها باتت أقل مباشرة مما كانت عليه، وهذا بالضبط ما تقوله لنا بيانات هذا الأسبوع.

المؤشر السعودي يتراجع، نعم، لكن التراجع لا يتوزع بالتساوي على القطاعات. الأسهم العقارية تكسب في يوم يخسر فيه المؤشر الرئيسي، وهذا ليس تناقضاً إحصائياً بل هو دليل على أن السوق السعودية باتت تحمل داخلها قصتين تسيران في اتجاهين مختلفين في الوقت ذاته. القصة الأولى هي قصة القطاعات التقليدية المرتبطة بالنفط والبتروكيماويات والقطاع المالي المصاحب لها، وهذه تتأثر بضغط أسعار الخام وبترقب مآلات المحادثات الجيوسياسية التي تُلقي بظلالها على الأسواق الناشئة عموماً. القصة الثانية هي قصة القطاعات التي أنتجتها رؤية 2030 بشكل مباشر، من عقارات وسياحة وترفيه وبنية تحتية، وهذه تسير بمنطقها الخاص المرتبط بالطلب المحلي وبرامج الإنفاق الحكومي على التنويع.