ثمة لحظات في تاريخ منطقة الخليج تتكثف فيها عقود من التوترات الجيوسياسية في أسابيع معدودة، وما نشهده اليوم من ضربات أمريكية على إيران وصواريخ تتجه نحو الكويت والبحرين وتعليق تصاريح بيع النفط الإيراني يستدعي قراءة متأنية تتجاوز ردود الفعل الفورية. من قرأ دورات التوتر الأمريكي الإيراني منذ أواخر الثمانينيات يعرف أن الأسواق تميل إلى المبالغة في الاستجابة أولاً ثم تعيد معايرة نفسها حين تتضح حدود التصعيد الفعلي، غير أن هذا لا يعني أن كل شيء سيعود كما كان.

الضربات الأمريكية على إيران وما أعقبها من إلغاء تصاريح بيع النفط الإيراني تُعيد رسم خريطة تدفق الطاقة في المنطقة بطريقة لها تداعيات مباشرة على اقتصادات الخليج المنتجة. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل هو الشريان الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي، وأي اضطراب فيه حتى لو كان مؤقتاً يُلقي بظلاله على أسعار الطاقة عالمياً وعلى تكاليف الشحن إقليمياً. الهجمات على ثلاث سفن في المضيق التي أعقبت الضربات الأمريكية تُضاف إلى سجل طويل من حوادث مماثلة، من حرب الناقلات في الثمانينيات إلى استهداف ناقلات النفط عام 2019، وفي كل مرة كانت أسواق الخليج تمتص الصدمة الأولى ثم تُعيد توازنها وفق مدى استمرار الاضطراب الفعلي لا وفق حدة الخطاب.

💡 رؤية

ما يستحق المتابعة في الأسابيع القادمة ليس الحركات اليومية لأسعار الأسهم بل ثلاثة مؤشرات أعمق: مدى تأثر حجم الشحن عبر مضيق هرمز فعلياً لا تهديداً، ومستوى الإنفاق في قطاع الضيافة والترفيه كمقياس لمعنويات المستهلك الخليجي الوسيط، وأخيراً استمرارية تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المشاريع غير النفطية في المنطقة.