توقعات أرباح قطاع الأسمنت السعودي في ظل تسارع الإنفاق على مشاريع رؤية 2030
إشعار
هذا المقال يعبّر عن آراء المحلل. لأغراض معرفية فحسب. لا تُعدّ هذه المعلومات نصيحةً استثماريةً أو توصيةً أو دعوةً للاكتتاب. يُنصح باستشارة مستشارٍ ماليٍّ مرخّصٍ قبل اتخاذ أيّ قرارٍ استثماري.
ثمة حقيقة فيزيائية بسيطة تقف خلف كل نقاش عن قطاع الأسمنت السعودي: كل طن من الأسمنت يُنتج في المملكة يبدأ رحلته من مكامن الحجر الجيري المنتشرة على امتداد سلسلة جبال الحجاز وفي المنطقة الوسطى، ويمر عبر أفران الدوّارة التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، ليصل في نهاية المطاف إلى ورش البناء التي تتسابق لإنجاز مشاريع لم يسبق لها مثيل في تاريخ المنطقة. هذه الرحلة الفيزيائية هي التي تحدد هوامش الربح وتُقيّد الطاقة الإنتاجية وتُفسّر في نهاية المطاف ما تعكسه أرقام الأرباح الفصلية لشركات الأسمنت المدرجة في تداول.
خلال النصف الأول من عام 2025، رصدت بيانات هيئة المساحة الجيولوجية السعودية ارتفاعاً ملحوظاً في تراخيص استخراج الركام والحجر الجيري، وهو مؤشر متقدم يسبق عادةً موجات الطلب على الأسمنت بفترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. هذا التسلسل الزمني يضع توقعات أرباح قطاع الأسمنت السعودي في سياق مختلف تماماً عن التحليلات التي تنظر إلى أرقام الشحنات الفصلية وحدها دون أن تتتبع ما يجري في طبقات الإمداد الأعمق.
ثمة حقيقة فيزيائية بسيطة تقف خلف كل نقاش عن قطاع الأسمنت السعودي: كل طن من الأسمنت يُنتج في المملكة يبدأ رحلته من مكامن الحجر الجيري المنتشرة على امتداد سلسلة جبال الحجاز وفي المنطقة الوسطى، ويمر عبر أفران الدوّارة التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، ليصل في نهاية المطاف إلى ورش البناء التي تتسابق لإنجاز مشاريع لم يسبق لها مثيل في تاريخ المنطقة.
الطلب الذي يأتي من أعلى السلسلة ليس طلباً عادياً. مشروع نيوم وحده يتطلب كميات من الأسمنت تُقدّر بعشرات الملايين من الأطنان على مدى سنوات التنفيذ، فضلاً عن مشاريع القدية والبحر الأحمر وتطوير المطارات والبنية التحتية للطاقة المتجددة. هذا الطلب لا يتوزع بالتساوي على الزمن ولا على الجغرافيا، وهو ما يُفسّر التباين الحاد في أداء شركات الأسمنت المدرجة في سوق تداول بحسب موقعها الجغرافي وقربها من مراكز الطلب الكبرى.
شركات مثل أسمنت العربية وأسمنت اليمامة وأسمنت القصيم تتنافس على حصص في سوق تتشكّل ملامحه بقرارات حكومية لا بقوى السوق التقليدية. هذا لا يعني غياب المنافسة، بل يعني أن المنافسة تجري في إطار مختلف حيث تُحدد العقود الحكومية الكبرى الحصص الأساسية وتُترك هوامش التسعير للتفاوض في ظروف طلب مرتفع. نتائج الربع الأول من 2025 أظهرت أن متوسط سعر الأسمنت في السوق المحلية ارتفع بنسبة تتراوح بين ثلاثة وخمسة بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وهو ارتفاع متواضع نسبياً لكنه يعكس توازناً دقيقاً بين الطلب القوي وضغوط الطاقة الإنتاجية الفائضة التي لا تزال تُثقل كاهل بعض المنتجين.
الطاقة الإنتاجية الفائضة هي الاختناق الحقيقي في هذه القصة. القطاع السعودي للأسمنت بنى طاقة إنتاجية ضخمة في الفترة الممتدة بين 2008 و2015 استجابةً لطفرة البناء السابقة، ثم عانى من فائض حاد حين تراجع الإنفاق الحكومي مع انخفاض أسعار النفط. اليوم، مع تسارع الإنفاق على مشاريع رؤية 2030 وتدفق الاستثمارات الأجنبية في القطاع العقاري، تتحسن معدلات استخدام الطاقة الإنتاجية تدريجياً، لكن هذا التحسن لا يزال متفاوتاً بين الشركات ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالموقع الجغرافي والقدرة على الوصول إلى مشاريع البنية التحتية الكبرى.
على صعيد تكاليف الإنتاج، يبقى الوقود المحرك الرئيسي لهوامش الربح. الشركات السعودية تستفيد من أسعار الغاز المدعومة محلياً، وهو ميزة هيكلية تجعل تكاليف الطاقة لديها أدنى بكثير من نظيراتها في أوروبا أو آسيا. لكن هذه الميزة ليست مطلقة؛ إذ تتباين تكاليف النقل بشكل كبير بين المصانع والمشاريع، وهو ما يُفسّر جزءاً من التباين في هوامش الربح بين الشركات التي تبدو متشابهة على السطح.
في سياق أداء سوق تداول، يُلاحظ المتابع أن أسهم شركات الأسمنت تتحرك في كثير من الأحيان بشكل مستقل نسبياً عن القطاع الكيميائي وقطاع التعدين الذي يشهد اهتماماً متصاعداً في ضوء استراتيجية المملكة للمعادن الحرجة. هذا الاستقلال النسبي يعكس الطبيعة المحلية البحتة لقطاع الأسمنت، حيث لا تصدير يُذكر ولا تعرض لتقلبات أسعار السلع الأساسية العالمية بالقدر ذاته الذي يواجهه منتجو البتروكيماويات أو شركات التعدين. هذه الخاصية تجعل القطاع ملاذاً نسبياً في فترات التقلب العالمي، لكنها في الوقت ذاته تحدّ من إمكانية الاستفادة من موجات الطلب الدولية.
ما يستحق المتابعة الدقيقة في الأرباع القادمة هو معدل صرف الاعتمادات المالية لمشاريع رؤية 2030 الكبرى. التاريخ يُعلّم أن الفجوة بين إعلان المشاريع وبدء الإنفاق الفعلي على مواد البناء يمكن أن تمتد لأشهر طويلة، وأن الشركات التي تُبني توقعاتها على الجداول الزمنية المُعلنة دون مراعاة هذه الفجوة تجد نفسها أمام مفاجآت غير سارة في أرقام الشحنات الفصلية. في المقابل، المشاريع التي وصلت بالفعل إلى مراحل الهيكل الإنشائي تُمثّل طلباً فعلياً لا طلباً مُتوقعاً، وهو تمييز جوهري لأي قراءة جادة لتوقعات أرباح قطاع الأسمنت السعودي في المدى المنظور.
قطاع التعدين والمعادن يُضيف بُعداً آخر لهذه الصورة. مع تسارع تطوير البنية التحتية لمشاريع التعدين في منطقة العُلا وتبوك والقصيم، تبرز حاجة متزايدة لمواد البناء في مناطق كانت حتى وقت قريب خارج دائرة الطلب الرئيسية. هذا التوسع الجغرافي في الطلب يُعيد رسم خريطة المنافسة بين شركات الأسمنت ويمنح ميزة نسبية للمنتجين الأقرب جغرافياً لهذه المناطق الناشئة.
الصورة الإجمالية تُشير إلى قطاع يمر بمرحلة انتقالية حقيقية: من فائض الطاقة الإنتاجية إلى توازن أكثر صحة، ومن الاعتماد على الطلب الاستهلاكي التقليدي إلى الارتباط بمشاريع بنية تحتية ضخمة ذات جداول زمنية طويلة. هذا التحول الهيكلي يجعل تحليل القطاع أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام الفصلية وحدها، ويستدعي تتبع المادة الفيزيائية من مكامن الحجر الجيري إلى ورش البناء قبل الحكم على أي رقم ربحي يصدر عن هذه الشركات.
الأسهم المذكورة
يغطي جاد قطاع المواد الخليجي بتتبع السلسلة الفيزيائية من الإنتاج إلى السوق النهائية، مؤمناً بأن لكل تحرك سعر تفسيراً فيزيائياً ولكل قصة إمداد بُعداً جيوسياسياً. يتتبع البتروكيماويات والأسمدة والتعدين والسلع الصناعية بصبر من يعرف أن أهم الإشارات في أسواق السلع نادراً ما تكون الأعلى صوتاً.
عرض الملف الكامل ←︎المزيد من جاد
عرض كل مقالات جاد ←︎
المواد الخامالطيران الخليجي وضغوط الصحة العامة: قراءة في مسارين متباينين لأسواق المواد والخدمات
1 سبتمبر 2026
المواد الخامينساب وسابك وضغط الهامش: ما تقوله أرقام 2026 عن بنية البتروكيماويات الخليجية
1 سبتمبر 2026
المواد الخامقطاع المواد الخليجي في مفترق الطرق: حين تتحدث الأرقام قبل الروايات
1 سبتمبر 2026
