ثمة حقيقة فيزيائية بسيطة تقف خلف كل نقاش عن قطاع الأسمنت السعودي: كل طن من الأسمنت يُنتج في المملكة يبدأ رحلته من مكامن الحجر الجيري المنتشرة على امتداد سلسلة جبال الحجاز وفي المنطقة الوسطى، ويمر عبر أفران الدوّارة التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، ليصل في نهاية المطاف إلى ورش البناء التي تتسابق لإنجاز مشاريع لم يسبق لها مثيل في تاريخ المنطقة. هذه الرحلة الفيزيائية هي التي تحدد هوامش الربح وتُقيّد الطاقة الإنتاجية وتُفسّر في نهاية المطاف ما تعكسه أرقام الأرباح الفصلية لشركات الأسمنت المدرجة في تداول.

خلال النصف الأول من عام 2025، رصدت بيانات هيئة المساحة الجيولوجية السعودية ارتفاعاً ملحوظاً في تراخيص استخراج الركام والحجر الجيري، وهو مؤشر متقدم يسبق عادةً موجات الطلب على الأسمنت بفترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. هذا التسلسل الزمني يضع توقعات أرباح قطاع الأسمنت السعودي في سياق مختلف تماماً عن التحليلات التي تنظر إلى أرقام الشحنات الفصلية وحدها دون أن تتتبع ما يجري في طبقات الإمداد الأعمق.

💡 رؤية

الطلب الذي يأتي من أعلى السلسلة ليس طلباً عادياً.

الطلب الذي يأتي من أعلى السلسلة ليس طلباً عادياً. مشروع نيوم وحده يتطلب كميات من الأسمنت تُقدّر بعشرات الملايين من الأطنان على مدى سنوات التنفيذ، فضلاً عن مشاريع القدية والبحر الأحمر وتطوير المطارات والبنية التحتية للطاقة المتجددة. هذا الطلب لا يتوزع بالتساوي على الزمن ولا على الجغرافيا، وهو ما يُفسّر التباين الحاد في أداء شركات الأسمنت المدرجة في سوق تداول بحسب موقعها الجغرافي وقربها من مراكز الطلب الكبرى.