البحر الأحمر ليس ممراً — إنه استراتيجية
إشعار
هذا المقال يعبّر عن آراء المحلل. لأغراض معرفية فحسب. لا تُعدّ هذه المعلومات نصيحةً استثماريةً أو توصيةً أو دعوةً للاكتتاب. يُنصح باستشارة مستشارٍ ماليٍّ مرخّصٍ قبل اتخاذ أيّ قرارٍ استثماري.
البحر الأحمر يتحمل ما لا يتحمله كثير من المسطحات المائية في العالم. نحو خمسة عشر بالمئة من حجم التجارة البحرية العالمية تعبر مضيق باب المندب سنوياً. أكثر من ثمانية ملايين برميل من النفط يومياً تمر عبر هذا الممر في اتجاه أوروبا وآسيا. ومع ذلك، حين تُكتب القصة الكبرى عن هذا البحر، تُكتب في الغالب من روما أو لندن أو واشنطن. السعودية تجلس على طول ساحله الشرقي بأكمله تقريباً، وتملك ميناء جدة الأكبر في المنطقة، وتبني نيوم على شواطئه الشمالية، وتُدير أسطولاً تجارياً متنامياً عبر بحري. ومع ذلك تظل الرواية عن البحر الأحمر رواية الآخرين.
هذه الفجوة بين الحضور المادي والسيطرة على السردية هي المسألة الحقيقية.
ما الذي فعله الإيطاليون بالبحر المتوسط
قبل أن نصل إلى الخليج، نتوقف عند درس جدير بالدراسة. إيطاليا لم تكن القوة البحرية الأكبر في البحر المتوسط. فرنسا أكبر منها اقتصاداً. تركيا أكثر منها نشاطاً عسكرياً في المنطقة. ومع ذلك، حين تُذكر كلمة "متوسطي" في أي سياق ثقافي أو اقتصادي أو سياحي، يتبادر الذهن إلى إيطاليا قبل أي دولة أخرى. هذا ليس صدفة. إنه نتاج عقود من الاستثمار في ما يمكن تسميته بـ"الجغرافيا الناعمة".
روما بنت مؤسسات تحمل اسم البحر المتوسط. أطلقت مبادرات اقتصادية تحمل هذا الاسم. صدّرت ثقافة الغذاء والتصميم والأسلوب الحياتي بوصفها ثقافةً متوسطيةً بامتياز. حين تأسس منتدى حوار البحر المتوسط في روما عام 1994، لم يكن مجرد ملتقى دبلوماسي. كان إعلاناً بأن إيطاليا هي المرجعية الأولى لأي نقاش جدي حول هذا البحر. اليوم، حين تريد الاتحاد الأوروبي أن يتحدث عن الطاقة المتوسطية أو الهجرة أو الاستثمار، يمر الحديث عبر روما بشكل طبيعي.
السؤال الذي يطرحه هذا النموذج على الرياض هو التالي: من يملك الحق الطبيعي في تأطير قصة البحر الأحمر أكثر من المملكة العربية السعودية؟
الحضور المادي لا يكفي وحده
ما غاب عن هذه الرواية تقريباً هو الدور السعودي المحتمل كمرساة استقرار.
المملكة تملك الأصول. هذا ليس موضع جدل. ميناء جدة الإسلامي يعالج ما يزيد على خمسة ملايين حاوية سنوياً ويُصنَّف باستمرار ضمن أكبر خمسة وعشرين ميناءً في العالم. شركة بحري، الذراع البحرية لأرامكو السعودية، تشغّل أسطولاً من ناقلات النفط الخام يجعلها من أكبر الشركات في هذا القطاع على مستوى العالم. ميناء الملك عبدالله في رابغ يُضاف إلى هذه البنية التحتية. ومشروع نيوم يمتد على ساحل خليج العقبة بطموح لا يُخفيه أحد.
لكن الحضور المادي وحده لا يُنتج سردية. الموانئ تُحرّك البضائع. الشركات تُحرّك الأرباح. المشاريع تُحرّك الإسمنت والصلب. أما السردية فتحتاج إلى شيء آخر. تحتاج إلى مؤسسة تحمل اسم البحر. تحتاج إلى منتدى يُعقد على شواطئه. تحتاج إلى بحث أكاديمي يُنتج بلغات متعددة. تحتاج إلى خريطة ذهنية يرسمها العالم حين يسمع "البحر الأحمر" فيضع الرياض في مركزها.
هذه الخريطة الذهنية غائبة حتى الآن. أو في أحسن الأحوال، مشوشة.
من يملك الرواية الآن
حين اندلعت الأزمة في البحر الأحمر مطلع عام 2024 جراء هجمات الحوثيين على السفن التجارية، كانت الرواية الغالبة في وسائل الإعلام الدولية تتمحور حول التوترات الأمريكية الإيرانية، وتداعيات الصراع في غزة، وتحويل مسارات الشحن عبر رأس الرجاء الصالح. تكاليف الشحن قفزت. شركات التأمين رفعت أقساطها. وبلغت أقساط التأمين على بعض المسارات ما يعادل عشرة أضعاف مستوياتها الطبيعية في ذروة الأزمة.
ما غاب عن هذه الرواية تقريباً هو الدور السعودي المحتمل كمرساة استقرار. الرياض تملك الموانئ البديلة. تملك العلاقات مع جميع الأطراف تقريباً. تملك مصلحة اقتصادية مباشرة في استقرار هذا الممر أكثر من أي طرف آخر. لكن الرواية الدولية لم تضعها في هذا الموقع. وضعتها في موقع المتفرج أو في أحسن الأحوال الوسيط الصامت.
هذا الغياب عن مركز الرواية له تكلفة. ليست تكلفة دبلوماسية فحسب. إنها تكلفة اقتصادية قابلة للقياس. حين لا تملك دولة ما السردية عن ممر بحري حيوي يمر عبر شواطئها، تفقد نفوذاً في المفاوضات التجارية وفي تحديد قواعد اللعبة وفي استقطاب الاستثمار.
ما الذي تحتاجه الرياض فعلاً
النموذج الإيطالي يقترح مساراً واضحاً. ليس تقليداً حرفياً، بل استلهاماً مُكيَّفاً مع السياق الخليجي.
الخطوة الأولى هي المؤسسة. إيطاليا أسست منتدى حوار البحر المتوسط وجعلته مرجعاً دولياً. المملكة تحتاج إلى ما يمكن تسميته "مركز البحر الأحمر" أو "منتدى البحر الأحمر"، مؤسسة تجمع الدول المطلة على هذا البحر، من مصر واليمن والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال والأردن وإسرائيل، وتجعل الرياض مضيفها الطبيعي ومحركها الرئيسي. هذه المؤسسة لا تحتاج إلى ميزانية ضخمة في بدايتها. تحتاج إلى شرعية وانتظام واستمرارية.
الخطوة الثانية هي البحث والمعرفة. من يُنتج البيانات يملك الرواية. اليوم، أفضل تقارير حركة الشحن في البحر الأحمر تصدر عن مؤسسات أوروبية وأمريكية. أفضل تحليلات أمن الممرات البحرية تُكتب في لندن وواشنطن. إنشاء مركز بحثي متخصص في اقتصاديات البحر الأحمر، يُنتج تقارير باللغتين العربية والإنجليزية، ويُوزَّع على صانعي القرار والمستثمرين والإعلاميين، هو استثمار منخفض التكلفة مرتفع العائد.
الخطوة الثالثة هي الربط بين الاقتصاد والهوية. إيطاليا لم تبِع البحر المتوسط كممر تجاري فحسب. باعته كأسلوب حياة وثقافة وهوية. المملكة تملك ما يكفي لفعل الشيء ذاته. مكة المكرمة والمدينة المنورة على بُعد ساعات من الساحل. الحضارة الحجازية بعمقها التاريخي. الغوص في البحر الأحمر الذي يُصنَّف من أفضل مواقع الغوص في العالم. الشعاب المرجانية التي تمتد على طول الساحل. هذه ليست مجرد مقومات سياحية. إنها مواد خام لبناء هوية بحرية سعودية لم تُروَ بعد بشكل كافٍ.
رؤية 2030 والبُعد البحري المُغفَل
رؤية 2030 تتحدث عن التنويع الاقتصادي والسياحة والترفيه والصناعة. لكن البُعد البحري فيها يظل أقل حضوراً مما تستحقه الجغرافيا. نيوم يُقدَّم في الغالب كمشروع مستقبلي تقني. لكنه في جوهره مشروع بحري. يقع على خليج العقبة. يُطل على ممر مائي يربط البحر الأحمر بقناة السويس. موقعه الجغرافي وحده يجعله نقطة تقاطع بين ثلاث قارات.
الفرصة المتاحة هي إعادة تأطير نيوم ليس فقط كمدينة مستقبلية بل كعاصمة بحرية جديدة للبحر الأحمر. هذا التأطير يُغير طبيعة الاستثمار الذي يستقطبه ويُغير طبيعة الشركاء الذين يتقدمون إليه. شركات الشحن والخدمات اللوجستية والتأمين البحري والبحث الأوقيان
الأسهم المذكورة
يتابع سمير أسواق الطاقة كما يفعل المتداولون، عبر الأحجام والفوارق والإشارات الهادئة التي تسبق تحركات الأسعار. يغطي النفط والغاز والبتروكيماويات في الخليج مؤمناً بأن السوق المادية تحكي القصة الحقيقية دائماً قبل أن تفعل العناوين. حين يعلو الضجيج يصبح سمير أكثر هدوءاً وأكثر دقة.
عرض الملف الكامل ←︎