ثمة سؤال لم يطرحه كثيرون بصراحة كافية حين تُقرأ نتائج جرير وألماراي وأداء لولو في الإمارات جنباً إلى جنب: هل نحن أمام قطاع استهلاكي يتوسع أفقياً، أم أمام قطاع يُعيد توزيع الإنفاق الموجود أصلاً على مستحقين جدد؟ الفرق بين الإجابتين ليس أكاديمياً. إنه يحدد ما إذا كان النمو الذي نشهده في أرقام التجزئة السعودية والإماراتية يعكس ثروة حقيقية متصاعدة، أم مجرد إعادة ترتيب للأولويات داخل دخل ثابت نسبياً.

الإجابة، كما يُشير التاريخ القريب، هي الاثنتان معاً، لكن بنسب تتغير بسرعة لم نرَها من قبل في المنطقة.


حين أطلقت المملكة العربية السعودية برنامج الترفيه الوطني عام 2016 ضمن مسيرة رؤية 2030، كان الرهان الضمني أن الأسرة السعودية كانت تُنفق خارج حدودها ما كان يمكن أن يُنفَق داخلها. التقديرات المتداولة آنذاك تحدثت عن ما يتراوح بين 20 و25 مليار دولار سنوياً تتسرب إلى دبي ولندن وباريس وبانكوك. المنطق كان بسيطاً: ابنِ الترفيه في الداخل، واسترجع هذا الإنفاق. لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً وأكثر إثارة للاهتمام من هذا التبسيط.

💡 رؤية

في المقابل، يعيش عائد توزيعات ألماراي لعام 2025 في منطقة مختلفة تماماً من هذه المعادلة.

أسهم قطاع الترفيه والضيافة السعودي لم تكن موجودة بالمعنى الحقيقي قبل سنوات قليلة. اليوم، يجد المحلل أمامه منظومة آخذة في التشكل تشمل شركات إدارة الفعاليات والضيافة الفندقية والمطاعم المتخصصة وقطاع السينما الذي انطلق من الصفر عام 2018 ليصل إلى إيرادات قياسية تتجاوز المليار ريال سنوياً. هذا التشكّل السريع يطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة الطلب: هل هو طلب مكبوت تحرر فجأة، أم طلب جديد تولّده بنية تحتية لم تكن موجودة؟


نتائج جرير للكتابية تُقدم زاوية مثيرة لهذا النقاش. جرير ليست شركة ترفيه بالمعنى الضيق، لكن مزيجها من الإلكترونيات والكتب والقرطاسية يجعلها مرآة دقيقة للإنفاق التقديري الأسري. حين تتراجع هوامش جرير أو تتحسن، فإنها غالباً تعكس ما يحدث في الجيب الاستهلاكي للأسرة السعودية المتوسطة. ما تُظهره نتائج جرير الأخيرة هو ضغط على الإنفاق التقديري في بعض الفئات مقابل صمود في فئات أخرى، وهذا التباين الداخلي هو بالضبط ما يحدث حين تدخل فئة إنفاق جديدة، كالترفيه، منافساً حقيقياً على المحفظة الاستهلاكية.

في المقابل، يعيش عائد توزيعات ألماراي لعام 2025 في منطقة مختلفة تماماً من هذه المعادلة. الغذاء الأساسي لا يتنافس مع الترفيه، لكنه يتأثر بالتضخم وبتكاليف المدخلات وبالتحولات في أنماط الأسرة. ما يجعل ألماراي مثيرة للاهتمام الآن ليس فقط عائد توزيعاتها الذي يظل جذاباً نسبياً في بيئة أسعار الفائدة الراهنة، بل هو موقعها كمقياس لاستقرار الإنفاق الأساسي في مرحلة يتمدد فيها الإنفاق التقديري بقوة. الشركتان تروي قصتين مختلفتين عن المستهلك الخليجي، وكلتا القصتين صحيحة في آنٍ واحد.


الطرح الأولي لأسهم لولو للتجزئة في الإمارات أضاف بُعداً آخر لهذه الصورة. لولو، بنموذجها القائم على التجزئة الكبيرة والأسعار التنافسية، تخدم شريحة واسعة من المقيمين في الإمارات بتركيبتها السكانية المتنوعة للغاية. نجاح طرحها الأولي وتداولاته الأولى يُشير إلى أن المستثمرين يراهنون على استمرار نمو الإنفاق الاستهلاكي في الإمارات بمعزل عن التقلبات الإقليمية. لكن الأسئلة الأعمق تظل قائمة: كيف سيتعامل نموذج لولو مع تمدد التجارة الإلكترونية؟ وكيف سيتموضع في مواجهة تحولات الإنفاق نحو الخدمات والترفيه بدلاً من السلع المادية؟

هذا السؤال الأخير هو جوهر ما يتغير في المنطقة. الطروحات الأولية في قطاع التجزئة السعودي لعام 2025 تعكس شهية استثمارية حقيقية، لكنها تعكس أيضاً رهاناً ضمنياً على أن نمو الإنفاق الكلي سيكون كافياً لاستيعاب منافسين جدد دون أن يُفقر المنافسين القدامى. هذا الرهان معقول في مرحلة التوسع، لكنه يستحق مراقبة دقيقة.


ما يجعل المرحلة الراهنة مختلفة عن موجات النمو الاستهلاكي الخليجية السابقة هو التحول الديموغرافي الذي يعمل في الخلفية بصمت. أكثر من 60 بالمئة من سكان المملكة العربية السعودية دون الثلاثين من العمر. هذه الشريحة نشأت في بيئة مختلفة جذرياً عن جيل والديها: أسعار نفط أقل استقراراً، وسوق عمل يتطلب مهارات جديدة، وفرص ترفيه وطنية لم تكن متاحة، وتوقعات استهلاكية تشكّلت جزئياً عبر منصات التواصل الاجتماعي العالمية. هذا الجيل لا يُنفق كما أنفق آباؤه، وهذا ليس حكماً قيمياً بل ملاحظة هيكلية.

مشاركة المرأة المتصاعدة في سوق العمل السعودي تُضيف طبقة أخرى. الأسرة ذات الدخلين تُنفق بشكل مختلف عن الأسرة ذات الدخل الواحد، ليس فقط في الحجم بل في التوزيع. الترفيه والمطاعم والتجارب الاجتماعية تحصل على حصة أكبر من محفظة الأسرة ذات الدخلين، وهذا بالضبط ما تراهن عليه أسهم قطاع الترفيه والضيافة السعودي في تقييماتها الراهنة.


الخلاصة التي يصعب تجاهلها هي أن قطاع الاستهلاك الخليجي يمر بإعادة هيكلة حقيقية، لا مجرد توسع دوري. التجزئة التقليدية والغذاء الأساسي والترفيه والتجارة الإلكترونية لا تتنافس فقط على حصص السوق، بل تتنافس على تعريف ما يعنيه "الإنفاق الجيد" في ذهن المستهلك الخليجي الجديد. من يفهم هذا التحول أولاً، ويُترجمه إلى نماذج أعمال قادرة على الصمود، سيكون في موقع مختلف تماماً عمّن يُراهن على استمرار الأنماط القديمة.