ثمة لحظات في تاريخ الأسواق المالية لا تكشف فيها الأرقام عن شيء يفوق ما يكشفه الصمت. حين دوّت صفارات الإنذار في البحرين وقطر في أعقاب الضربات الأمريكية على إيران، لم يكن المشهد الأكثر إثارةً للتأمل هو الصواريخ نفسها، بل كان ما جرى في غرف تداول الكويت والمنامة والدوحة في الساعات التي تلت ذلك مباشرةً، حين وقف المتداولون أمام شاشاتهم يحاولون قراءة سيناريو لا تُعلّمه الكتب المدرسية لإدارة المخاطر.

القطاع المصرفي الخليجي يدخل هذه المرحلة وهو يحمل ثقلاً مزدوجاً: من جهة، ميزانيات عمومية بلغت من الرسوخ ما يجعلها في ظاهرها محصّنة، ومن جهة أخرى، تشابكات هيكلية مع دورة النفط والإنفاق الحكومي تجعلها في جوهرها عُرضةً لأي اضطراب في مسارات الطاقة. وحين يُضاف إلى ذلك تحذير صندوق النقد الدولي من أن سيناريو إغلاق مضيق هرمز قد يُقلّص نمو المنطقة إلى 0.7 بالمئة عام 2026، يصبح السؤال الحقيقي ليس إذا كانت البنوك ستتأثر، بل كيف سيتجلى ذلك التأثير في دفاترها.

البورصة الكويتية فقدت ما يقارب أربعة مليارات دولار من قيمتها السوقية في النصف الأول من العام الحالي، وهو رقم يستحق وقفةً أنثروبولوجية قبل أن يستحق وقفةً إحصائية. الكويت سوق تتسم بحساسية استثنائية للمزاج الإقليمي، إذ يحمل كثير من مستثمريها الأفراد تاريخاً مؤسسياً مع الاضطراب الجيوسياسي يعود إلى عام 1990، وهو تاريخ يُشكّل ردود الفعل السلوكية بطرق لا تظهر في نماذج التسعير الكمية. حين يبيع هؤلاء المستثمرون، لا يبيعون استجابةً لمعادلة مخاطرة، بل يبيعون استجابةً لذاكرة. والفرق بين الاثنين جوهري لأي محلل يحاول فهم عمق التصحيح لا مجرد اتجاهه.

البنوك الخليجية بنت في السنوات الأخيرة احتياطيات رأسمالية تُشير ظاهرياً إلى متانة لافتة، لكن الاختبار الحقيقي لأي ميزانية عمومية لا يأتي في أوقات الرخاء بل في اللحظة التي تتزامن فيها ثلاثة ضغوط في آنٍ واحد: تراجع إيرادات النفط الذي يُضيّق هامش الإنفاق الحكومي، وارتفاع تكاليف التمويل في بيئة تظل فيها الفوائد مرتبطة بالدولار، وتصاعد مخصصات خسائر الائتمان في محافظ القروض المرتبطة بقطاعات حساسة للتوترات الجيوسياسية كالتجارة والعقارات والمقاولات. هذا التزامن تحديداً هو ما يجعل السيناريو الراهن مختلفاً عن موجات التوتر السابقة التي كانت في الغالب أحادية البُعد.

💡 رؤية

الإطار التنظيمي في دول الخليج، سواء ما أرسته مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" أو المصرف المركزي الإماراتي أو بنك الكويت المركزي، بنى على مدار السنوات الماضية منظومة متطورة من اختبارات الضغط وآليات الاستجابة للأزمات.

ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن إيران تستهدف بشكل مباشر الشريكين الخليجيين الأكثر اعتماداً على الممرات البحرية: البحرين والكويت. والبحرين تحديداً تمثل حالةً دراسية فريدة لأن قطاعها المصرفي يعمل بنموذج يختلف هيكلياً عن نظيريه السعودي والإماراتي، إذ يعتمد بشكل أكبر على التمويل عبر الحدود وعلى دوره كمركز إقليمي للخدمات المالية الإسلامية، وهو دور يجعله أكثر عُرضةً لأي اضطراب في تدفق رؤوس الأموال الإقليمية حتى لو كانت ميزانيته العمومية المحلية تبدو في ظاهرها سليمة.

الإطار التنظيمي في دول الخليج، سواء ما أرسته مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" أو المصرف المركزي الإماراتي أو بنك الكويت المركزي، بنى على مدار السنوات الماضية منظومة متطورة من اختبارات الضغط وآليات الاستجابة للأزمات. هذه المنظومة ليست مجرد ورق تنظيمي، بل هي ذاكرة مؤسسية مُقنّنة من دروس 2008 و2014 و2020، وهي ذاكرة تمنح البنوك الخليجية قدراً من المرونة الهيكلية لا ينبغي الاستهانة به. لكن الذاكرة المؤسسية وحدها لا تُدير الأزمات، بل يُديرها الناس الذين يحملون تلك الذاكرة ويُترجمونها إلى قرارات في الوقت الفعلي.

السؤال الذي يغيب عن معظم التحليلات الكمية هو: ماذا يجري داخل لجان الائتمان في هذه البنوك الآن؟ كيف تُعيد فرق إدارة المخاطر رسم خرائط التعرض لقطاعات بعينها؟ هل تتحرك مخصصات الخسائر استباقياً أم أن المؤسسات تنتظر تبلور الصورة قبل الاعتراف بالتأثير في دفاترها؟ هذه الأسئلة لن تجيب عنها نشرات الأرباح الفصلية القادمة بشكل مباشر، لكنها ستظهر في الهوامش، في حركة المخصصات، في نسب تغطية القروض المتعثرة، في الطريقة التي تُصنّف بها البنوك محافظها الائتمانية المرتبطة بالقطاعات الأكثر تضرراً.

ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن سابقاتها هو أن التوترات هذه المرة تتقاطع مع مرحلة تحول هيكلي في القطاع المصرفي الخليجي ذاته. البنوك الإقليمية كانت تُعيد رسم نماذجها التشغيلية نحو الخدمات الرقمية وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الاعتماد المطلق على هامش الفائدة الصافي، وهو مسار يستلزم استقراراً بيئياً لا تُوفره لحظة التصعيد الراهنة. حين تُصبح بيئة الاستثمار غير قابلة للتنبؤ، تتراجع الشهية نحو التحول والابتكار وتتقدم الغريزة الدفاعية. والغريزة الدفاعية في القطاع المصرفي لها ثمن لا يظهر في الأرباح الفصلية القريبة، بل يظهر في الفرص التي لم تُستثمر والنمو الذي لم يتحقق.

المضيق الذي يقلق الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي ليس فقط مضيق هرمز الجغرافي. ثمة مضيق آخر أضيق وأكثر أهمية: المساحة بين ما تقوله البنوك الخليجية في إفصاحاتها وما تعرفه فعلاً في دفاترها الداخلية. هذه المسافة، في لحظات التوتر الكبرى، هي القصة الحقيقية.