ثمة سؤال يستحق أن يُطرح بصراحة قبل الغوص في أرقام شركة الاتصالات السعودية: هل ما نراه اليوم في STC هو تحوّل هيكلي حقيقي، أم أنه طلاء رقمي لاقع على جسد شركة اتصالات تقليدية تتمسك بامتيازاتها التاريخية؟ الإجابة، كما تكشفها البيانات المالية والقرارات الاستراتيجية المتراكمة على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، أكثر إثارةً للاهتمام مما يوحي به السؤال نفسه.

لفهم ما تحاول STC بناءه، لا بد من الخروج من منطق تقارير الأرباح الفصلية والنظر إلى الهيكل الأعمق. شركات الاتصالات في الأسواق الناضجة تواجه معادلة صعبة بطبيعتها: أصول بنية تحتية كثيفة رأس المال، وإيرادات اتصال متراجعة الهامش، وعملاء لا يرون في الشبكة قيمة تستحق الدفع الإضافي. الحل التقليدي هو الانضباط في تخصيص رأس المال وتوزيع الأرباح. لكن STC اختارت مساراً مختلفاً: أن تتحوّل من مزوّد اتصال إلى منصة رقمية متكاملة، مستخدمةً رؤية 2030 ليس فقط كسياق تسويقي بل كمحرّك هيكلي فعلي لتوسيع نطاق أعمالها.

الأرقام التي تروي القصة الحقيقية

سجّلت مجموعة STC في عام 2025 أعلى إيرادات في تاريخها بلغت 77.8 مليار ريال، بنمو 2.5% عن العام السابق، فيما ارتفع صافي الربح بنسبة 12.5% بعد استبعاد البنود غير المتكررة، مما يعكس متانة النموذج التشغيلي وصحة استراتيجية النمو المستدام.

هذا الرقم، في ظاهره، يبدو متواضعاً. لكن السياق يغيّر كل شيء.

تراجع صافي الربح المُعلن بنسبة 39.9% إلى 14.83 مليار ريال، غير أن المحللين عزوا هذا الانخفاض أساساً إلى قاعدة مقارنة مرتفعة في عام 2024، حين رفعت بنود استثنائية غير متكررة الأرباح إلى مستويات غير اعتيادية.

بمعنى آخر، ما يبدو تراجعاً في الربحية هو في الواقع عودة إلى مسار طبيعي بعد عام استثنائي، وهو تمييز جوهري يغيب أحياناً في القراءة السطحية للأرقام.

ارتفع الربح الإجمالي إلى 37.7 مليار ريال، فيما بلغ الربح التشغيلي 14.4 مليار ريال، وسجّل مؤشر EBITDA نحو 24.5 مليار ريال بنمو 6.1% بعد استبعاد البنود غير المتكررة، مدفوعاً بتحسّن الكفاءة التشغيلية وانضباط إدارة التكاليف والنفقات الرأسمالية.

هذه الأرقام تُخبر بقصة مختلفة عن قصة الربح الصافي. الهامش التشغيلي يتحسّن، والكفاءة تتقدم، والنفقات الرأسمالية تُدار بانضباط واضح. وهي إشارات أكثر أهمية من الرقم الإجمالي لمن يقرأ شركات البنية التحتية بعيون مدرّبة.

البنية التحتية كرهان استراتيجي

ما يميّز استراتيجية STC عن خطاب التحوّل الرقمي الذي تتبناه شركات الاتصالات في كل مكان هو أن رهانها مبني على أصول ملموسة وعقود مُوقّعة.

أبرمت STC عقداً بقيمة 32.64 مليار ريال لتطوير وتشغيل البنية التحتية للاتصالات لجهة حكومية على مدى 15 عاماً، ومن المتوقع أن يُسهم هذا العقد بنحو ملياري ريال سنوياً في الإيرادات اعتباراً من النصف الثاني من عام 2026.

هذا ليس إعلاناً عن نوايا. إنه تدفق نقدي مستقبلي مُعاقَد عليه، مع وضوح زمني للتسليم.

وتواصل الشركة توسيع شبكتها لتتجاوز 10,800 موقع للجيل الخامس و3.75 مليون منزل مخدوم بالألياف الضوئية، إضافة إلى إجراء أول تجربة إقليمية في نطاق 7 غيغاهرتز تمهيداً لتقنيات الجيل السادس.

هذه الأرقام تستحق التأمل.

بلغ متوسط استهلاك البيانات الشهري للفرد في المملكة العربية السعودية 48 غيغابايت في عام 2024، أي ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.

سوق بهذا الجوع للبيانات يُعيد تسعير البنية التحتية للشبكة بشكل مختلف تماماً. الألياف الضوئية والجيل الخامس في هذا السياق ليسا مجرد استثمار في تحسين الخدمة، بل هما الأساس الذي تُبنى عليه قدرة الشركة على تحقيق الدخل من البيانات في المستقبل.

الشركات التابعة: حيث تتجلى قصة التحوّل الحقيقي

إذا كان الجسد الأم لـ STC يمثّل الاستقرار والتدفق النقدي، فإن الشركات التابعة هي حيث تجري المغامرة الاستراتيجية الحقيقية.

💡 رؤية

بلغ متوسط استهلاك البيانات الشهري للفرد في المملكة العربية السعودية 48 غيغابايت في عام 2024، أي ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي..

ارتفعت إيرادات الشركات التابعة بنسبة 13.4% في النصف الأول من عام 2024، ثم بنسبة 16% على مدار العام الكامل، مما أسهم بشكل ملحوظ في تعزيز الصحة المالية الإجمالية للمجموعة.

حقّقت solutions by stc إيرادات بلغت 12.73 مليار ريال بنمو 5.52% مقارنة بعام 2024، فيما بلغ الربح الإجمالي 2.678 مليار ريال والربح التشغيلي 1.641 مليار ريال.

هذه الشركة المتخصصة في حلول تقنية المعلومات والاتصالات للشركات تمثّل الرهان على قطاع B2B الذي تعتبره STC ركيزة نموها طويل الأمد.

وتواصل الشركة الاستثمار في تقنيات ناشئة كالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مع تطوير نماذج أعمال مبتكرة ومرنة لدعم النمو المستدام عبر القطاعين العام والخاص، وتسريع التحوّل الرقمي في المملكة والمنطقة.

أما القصة الأكثر إثارةً للاهتمام فهي STC Bank.

انتقلت stc pay لتصبح STC Bank في عام 2024، موسّعةً نشاطها ليشمل قبول الودائع والإقراض وخدمات المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع خارطة طريق 2024-2026 تركّز على ترحيل العملاء من المحافظ الرقمية إلى الحسابات البنكية وإصدار البطاقات وشراكات التمويل المدمج.

وقد وسّعت المجموعة قاعدة عملاء STC Bank لتتجاوز 8 ملايين عميل.

هذا الرقم لافت بشكل غير عادي لبنك في عامه الأول الكامل من العمليات. ما يجعله ممكناً هو القاعدة الاشتراكية الضخمة لـ STC كمشغّل اتصالات، وهو بالضبط نوع الميزة التنافسية الهيكلية التي لا يستطيع بنك جديد بناؤها من الصفر.

وقد قادت STC Bank الشركات التابعة في نمو الربح الإجمالي، بزيادة مذهلة بلغت 100% على أساس سنوي.

ضاعفت الأرباح الإجمالية في عامها الأول. هذا ليس نمواً، هذا إشعال.

التمدد الإقليمي وإعادة تعريف النطاق الجغرافي

يبقى توسّع STC في البنية التحتية الرقمية الإقليمية محركاً رئيسياً للنمو، ويتجلى ذلك في مشروع SilkLink الذي أُطلق بشراكة مع الصندوق السيادي السوري وباستثمار بلغ 3 مليارات ريال، يهدف إلى تحديث البنية التحتية للاتصالات في سوريا من خلال بناء أكثر من 4,500 كيلومتر من شبكات الألياف الضوئية ومراكز البيانات ومحطات الإنزال للكابلات البحرية الدولية.

هذا المشروع يكشف شيئاً ع