ثمة لحظات في تحليل أسواق المستهلك حين تصبح نقطة البيانات الواحدة أكثر إفصاحاً مما تبدو عليه في ظاهرها، وما نشهده حالياً في مشهد الإنفاق الاختياري للمستهلك الإماراتي هو واحدة من تلك اللحظات.

الإمارات تتجه نحو ارتفاع صافٍ في نوايا الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 13 بالمئة لعام 2025، وهو أعلى معدل نمو على مستوى العالم، في حين تسجل النوايا الاستهلاكية العالمية تراجعاً صافياً بنسبة 12 بالمئة.

هذا الانفصال ليس مجرد إحصاء لافت للانتباه، بل هو مؤشر على بنية طلب مختلفة هيكلياً تستحق أن تُقرأ بعناية وتأنٍّ قبل أن تُترجَم إلى أي استنتاجات قاطعة.

قبل أن نتعمق في ما تعنيه هذه الأرقام اليوم، يجدر بنا أن نتذكر من أين جاء هذا المستهلك. الإمارات ليست سوقاً استهلاكية نشأت تدريجياً عبر عقود من تراكم الدخل المتوسط. هي سوق تشكّلت بسرعة غير مسبوقة، تحركها موجات متعاقبة من الهجرة الوافدة عالية المهارة، وطفرات ثروة نفطية تُعيد رسم خريطة الدخل المتاح كل بضع سنوات، وسياسات حكومية تضخ استثمارات ضخمة في قطاعات الترفيه والضيافة والبنية التحتية التجارية. هذا السياق الهيكلي هو ما يجعل قراءة اتجاهات الإنفاق الاختياري للمستهلك الإماراتي عملية مختلفة عن قراءة نظيرتها في أوروبا أو حتى في أسواق خليجية أخرى.

💡 رؤية

الترفيه خارج المنزل يكتسب زخماً واضحاً، إذ يعتزم 41 بالمئة من المستهلكين الإماراتيين زيادة إنفاقهم في هذا القطاع، مقارنة بـ33 بالمئة في السعودية و28 بالمئة في الصين..

ما يميز المشهد الراهن هو أن هذا التفاؤل الاستهلاكي ليس موزعاً بالتساوي.

الارتفاع المتوقع في الإنفاق بين المستهلكين الإماراتيين يمتد عبر كل مستويات الدخل، لكنه يبدو أكثر حدةً لدى المستهلكين من الدخل المرتفع.

هذا التوزيع غير المتكافئ يحمل دلالة تحليلية مهمة: ما نراه ليس انتعاشاً شاملاً يرفع كل القوارب، بل هو تسارع في قمة الهرم الاستهلاكي يُنتج مكاسب مرئية في الأرقام الكلية قد تُخفي ضغوطاً أكثر هدوءاً في الشرائح الوسطى والدنيا.

فإذا أُتيح للمستهلك الإماراتي مزيد من المال، فإن السفر والعطلات تأتي في أولوياته بنسبة 26 بالمئة، في حين تتسلل تجار التجزئة ذوو الأسعار المخفضة إلى السوق بشكل متزايد، مع تحوّل بعض المستهلكين نحو علامات تجارية أكثر توفيراً، لا سيما في قطاع البقالة.

هذا الانقسام في سلوك الإنفاق، بين مستهلك يُسرف في الترفيه والسفر ومستهلك آخر يتحول نحو التجزئة الرخيصة في المواد الأساسية، هو ما يسميه المحللون "ثنائية الاستهلاك"، وهو نمط يستحق المتابعة الدقيقة لأنه يُعقّد صورة القطاع أمام المستثمر الذي يبحث عن قراءة خطية مبسطة.

الترفيه خارج المنزل يكتسب زخماً واضحاً، إذ يعتزم 41 بالمئة من المستهلكين الإماراتيين زيادة إنفاقهم في هذا القطاع، مقارنة بـ33 بالمئة في السعودية و28 بالمئة في الصين.

هذا الرقم يُلقي ضوءاً على تحول سلوكي أعمق مما يبدو في وهلته الأولى. الإنفاق على الترفيه خارج المنزل في الإمارات لم يكن دائماً بهذا المستوى من الأولوية في سلّم الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاعه الآن يعكس جزئياً نجاح سياسة التوسع في البنية التحتية للترفيه التي تنتهجها الإمارة منذ سنوات، وجزئياً يعكس تحولاً ديموغرافياً نحو مستهلك أصغر سناً يُعلي من قيمة التجربة على حساب الاقتناء المادي.

المستهلكون دون الخامسة والأربعين هم من سيقودون موجة الإنفاق عبر قطاعات التجزئة المختلفة، وهذا الارتفاع في الإنفاق يُعزى إلى حد بعيد إلى ارتفاع الدخل المتاح.

في سياق الإمارات، هذا يعني أن الطبقة العاملة الشابة من