ثمة نمط متكرر في أسواق الخليج يستحق أن نتوقف عنده قليلاً قبل أن نستعجل في استنتاجات من آخر جلسة تداول أو حزمة دعم حكومية. الإمارات أطلقت للتو حزمة بقيمة خمسين مليار درهم لدعم الأسواق، والسعودية شهدت تراجعات في قطاع الاستهلاك الفاخر، وعمّان تتجه نحو مناطق اقتصادية متخصصة في الذكاء الاصطناعي. هذه ليست ثلاث قصص منفصلة بقدر ما هي فصول مختلفة من رواية واحدة عن كيفية تعامل دول الخليج مع لحظة تاريخية معقدة تجمع بين الفرص الهيكلية والضغوط الدورية في آن واحد.

ابدأ بالصورة الأطول أمداً. منذ أن بدأت برامج التنويع الاقتصادي في الخليج قبل أكثر من عقد، كانت الحكومات تسير على حبل مشدود بين هدفين متعارضين ظاهرياً. من جهة، تحتاج إلى إعادة هيكلة الاقتصادات بعيداً عن الاعتماد على النفط، وهذا يتطلب إصلاحات صعبة تشمل تقليل الدعم وزيادة الضرائب وتحرير الأسعار. من جهة أخرى، لا يمكنها السماح بانهيار الطلب المحلي أو الأسواق المالية لأن ذلك سيقوض ثقة المستثمرين والمستهلكين في المشروع برمته. النتيجة كانت دائماً مزيجاً من الإصلاحات الهيكلية والدعم الاستراتيجي المستهدف، وهو ما تفعله الإمارات الآن بشكل صريح وواضح.

💡 رؤية

حزمة الخمسين مليار درهم ليست استثناءً من النمط بقدر ما هي تأكيد عليه.

حزمة الخمسين مليار درهم ليست استثناءً من النمط بقدر ما هي تأكيد عليه. الإمارات تعلم أن الأسواق تحتاج إلى أكسجين من وقت لآخر، وأن هذا الأكسجين يأتي بأشكال متعددة: تدخلات مباشرة في السيولة، برامج دعم للقطاعات الاستراتيجية، أو ببساطة إشارات قوية من الدولة بأنها ملتزمة بدعم الاستقرار. لكن المهم هنا ليس الرقم بحد ذاته بقدر ما هو ما يخبرنا عن مرحلة الدورة التي نحن فيها. حين تطلق الحكومات حزم دعم بهذا الحجم، فهذا يعني أن هناك ضغوطاً تحتاج إلى تخفيفها، وأن النمو الذي كانت تتوقعه لم يتجسد بالسرعة أو الحجم المتوقع.

انتقل الآن إلى السعودية والماجد للعود. تراجع سهم متخصص في المنتجات الفاخرة مثل العود قد يبدو في الوهلة الأولى إشارة على ضعف الطلب على السلع الفاخرة. لكن هذا تفسير سطحي جداً. ما يحدث فعلاً أعمق وأكثر تعقيداً. الطلب على المنتجات الفاخرة في الخليج لم يختفِ، لكن أنماطه تغيرت. السعودية شهدت موجات متكررة من إعادة هيكلة الدعم على مدى السنوات الماضية، وهذا غيّر توزيع الدخل المتاح بين فئات السكان. بعض الفئات رأت دخلها يتحسن، وأخرى شهدت ضغوطاً. النتيجة أن الطلب على الفاخريات لم يختفِ لكنه أصبح أكثر تذبذباً وأكثر حساسية للتوقعات الاقتصادية قصيرة الأجل.

هنا يأتي دور عمّان وخطتها لإنشاء مناطق اقتصادية متخصصة في الذكاء الاصطناعي. هذا ليس مجرد مشروع تكنولوجي آخر. إنه انعكاس لرؤية أوسع تسعى إلى إعادة تموضع الخليج ليس فقط كمنتج للهيدروكربونات بل كمركز للابتكار والخدمات الرقمية. عمّان، التي كانت دائماً الأقل اعتماداً على النفط بين دول الخليج، تفهم أن المستقبل يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والمواهب البشرية. لكن هذا يأخذ وقتاً، وفي الوقت الذي تستثمر فيه الحكومات في المستقبل، يجب أن تحافظ على استقرار الحاضر.

هنا تتقاطع الخيوط كلها. الحكومات الخليجية تسير في عملية انتقالية معقدة تتطلب منها أن تكون في مكانين في نفس الوقت: تحتاج إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة بينما تحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. حزم الدعم مثل ما أطلقته الإمارات ليست فشلاً في الإصلاح بقدر ما هي جزء حتمي منه. الأسواق تتقلب لأن المستثمرين والمستهلكين يحاولون فهم أين تقف الحكومات فعلاً في هذه ال