البحر الأحمر يتحمل ما لا يتحمله كثير من المسطحات المائية في العالم. نحو خمسة عشر بالمئة من حجم التجارة البحرية العالمية تعبر مضيق باب المندب سنوياً. أكثر من ثمانية ملايين برميل من النفط يومياً تمر عبر هذا الممر في اتجاه أوروبا وآسيا. ومع ذلك، حين تُكتب القصة الكبرى عن هذا البحر، تُكتب في الغالب من روما أو لندن أو واشنطن. السعودية تجلس على طول ساحله الشرقي بأكمله تقريباً، وتملك ميناء جدة الأكبر في المنطقة، وتبني نيوم على شواطئه الشمالية، وتُدير أسطولاً تجارياً متنامياً عبر بحري. ومع ذلك تظل الرواية عن البحر الأحمر رواية الآخرين.

هذه الفجوة بين الحضور المادي والسيطرة على السردية هي المسألة الحقيقية.


ما الذي فعله الإيطاليون بالبحر المتوسط

قبل أن نصل إلى الخليج، نتوقف عند درس جدير بالدراسة. إيطاليا لم تكن القوة البحرية الأكبر في البحر المتوسط. فرنسا أكبر منها اقتصاداً. تركيا أكثر منها نشاطاً عسكرياً في المنطقة. ومع ذلك، حين تُذكر كلمة "متوسطي" في أي سياق ثقافي أو اقتصادي أو سياحي، يتبادر الذهن إلى إيطاليا قبل أي دولة أخرى. هذا ليس صدفة. إنه نتاج عقود من الاستثمار في ما يمكن تسميته بـ"الجغرافيا الناعمة".